فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٢ - مراحل تطوّر الاجتهاد / ١ / السيّد منذر الحكيم
أحدهما : هو قدرة الفقه الشيعي على مسايرة الزمن بالرغم من تحفّظه بالنسبة للرأي ( القياس والاستحسان ) ؛ وذلك لإمكان الإفتاء على أساس الاجتهاد المتحفّظ ( اجتهاد النصّ ) لا اجتهاد الرأي ؛ لأنّ التصوّر السائد لدى أصحاب الرأي كان يرتكز على أنّ قلّة النصوص لا تنسجم مع خلود الشريعة ومسايرتها لتطوّرات الزمن ، ولا يمكن حلّ هذه الأزمة إلاّ بالرجوع إلى اجتهاد الرأي وتوظيف القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسنّة الصحابي وما شاكلها من مباني وحجج جديدة قد تستطيع أن تسعف الفقيه في مقام الاستنباط .
وثانيهما : أنّ الفقه الشيعي بالرغم من إصراره على محاربة اجتهاد الرأي ، وثباته على اجتهاد النصّ ، وتحفّظه من إدخال عناصر استحسانية عقلية ظنّية إلى مجال الاستنباط ، فإنّه يستطيع أن يسبق الفقه الآخر في هذا المضمار ، فالفقه الشيعي فقه رائد على أي حال ، وهو لم ينحرف عن اُصوله العلمية التي تبنّاها وشيّد اُسسها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) خلال ثلاثة قرون من الممارسة الفقهية الدائبة تحت إشرافهم وتوجيههم المباشر .
لكنّ هذه المحاولة الرائدة باعتبار أنّها كانت تحاكي الفقه التفريعي السنّي وتحاول الاستباق معه ، لم تسلم من دخول عنصر التقليد والمحاكاة في بعض الأحيان وانطباع الفقه التفريعي الشيعي بطابع ومسحة من الفقه السنّي . وقد اعتقد بعض كبار فقهاء الإمامية بأنّ الفقه الشيعي ناظر في إنجازاته العلمية إلى الفقه السنّي ، ولا يمكن تحقّق فهم الفقه الشيعي بشكل تامّ إلاّ لمن يفهم الفقه السنّي بشكل تامّ ؛ وذلك لأنّ الفقه السنّي كان فقه الدولة وكان الفقه الحاكم على الساحة ، ولم يسع الفقهاء الشيعة إلاّ أن يأخذوا هذا الفقه بنظر الاعتبار ، وكان لا بدّ لهم من اتّخاذ المواقف الفقهية المنسجمة مع الاُصول والمباني الفقهية الإمامية في الوسط الذي يعيشون فيه ؛ فإنّ التعايش كان واقعاً مفروضاً عليهم ، ولا أقلّ من التأثّر بالفقه الحاكم إلى فترة أو فترات كي يتسنّى للفقيه