فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨١ - مراحل تطوّر الاجتهاد / ١ / السيّد منذر الحكيم
الاُصولية ـ وتوفير أدوات الاستنباط لا تكفي للاستنباط والتفقّه في الدين بشكل اجتهادي ، بل لابدّ من تطبيق منهج الاستنباط أيضاً . وهذا ما قام به الشيخ الطوسي ـ في تهذيب الأحكام ـ حين قرّر شرح كتاب المقنعة للشيخ المفيد شرحاً استدلالياً ينحو باتّجاه إثبات الآراء الفقهية الواردة في المقنعة أو إثبات آرائه الفقهية ، لذا فتهذيب الأحكام ليس كتاباً حديثيّاً محضاً .
على أنّ مشكلة الأخبار المتعارضة التي حفلت بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الفقهية لأسباب شتّى قد عالجها الشيخ الطوسي في كتاب الاستبصار . ومن هنا أصبح هذا الكتاب ممثّلاً لممارسة فقهية استدلالية بالإضافة إلى تضمّنه للأخبار .
وبهذا وفّر الشيخ الطوسي للفقيه كلّ أدوات الممارسة الفقهية الاجتهادية نظريةً وتطبيقاً . وهذه خطوة كبيرة وعملاقة في مجال الفقه الاجتهادي إذا ما قيست إلى ما سبق الشيخ الطوسي من جهد فقهي في الساحة العلمية لمدرسة أهل البيت الفقهية .
المجال الرابع : وقام الشيخ الطوسي أيضاً بثلاث خطوات اُخرى كانت رائدة إن لم تكن تأسيسية ، فالفقهاء الذين سبقوه بالرغم من تصدّيهم للتفريع واستنباط أحكام الفروع التي لم تذكر في نصوص الروايات الواصلة إليهم ، لكنّهم لأجل التحفّظات الكبيرة التي كانت تحيط بهم وتسيطر على الوسط العلمي السائد آنذاك لم يجترئوا أو لم تسنح لهم فرصة التفريع وإظهار عظمة الفقه الإمامي من هذه الجهة .
ولعلّ إسهاب المدارس الفقهية الاُخرى التي اعتمدت الرأي ( المتمثّل في القياس والاستحسان ) في التفريع ، وتضخّم المادة الفقهية لديها بالرغم من محدودية النصوص الروائية المرتبطة بالأحكام ، بالإضافة إلى توجيه النقد إلى المدرسة الفقهية الإمامية من هذه الجهة تضعيفاً لها ، هو الذي كان قد ساهم في اقتناع الطوسي بأن يقوم بحركة رائدة تحقّق هدفين مهمّين في آن واحدٍ :