السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٦٥٢
شيء منه بل ينظر في كل شيء منه نظر المستفتح المبتدئ مطرحا للأهواء المزينة للباطل بزينة الحق و حب المنشأ و التقليد فداؤهما لا يحسن علاجه جالينوس و تعظيم الكبراء و تقليد الأسلاف و الأنس بما لا يعرف الإنسان غيره يحتاج إلى علاج شديد و قد قال الخليل بن أحمد العروضي (رحمه الله) الإنسان لا يعرف خطأ معلمه حتى يجالس غيره فالعاقل يكون غرضه الوصول إلى الحق من طريقه و الظفر به من وجهه و تحقيقه و لا يكون غرضه نصرة الرجال فإن الذين ينحون هذا النحو قد خسروا ما ربحه المقلد من الراحة و الدعة و لم يسلموا من هجنة التقليد و فقد الثقة بهم فهم لذلك أسوء حالا من المصرح بالتقليد و بئست الحال حال من أهمل دينه و شغل معظم دهره في نصرة غيره لا في طلب الحق و معرفته و لا ينبغي لمن استدرك على من سلف و سبق إلى بعض الأشياء أن يرى لنفسه الفضل عليهم لأنهم إنما زلوا حيث زلوا لأجل أنهم كدوا أفكارهم و شغلوا زمانهم في غيره ثم صاروا إلى الشيء الذي زلوا فيه بقلوب قد كلت و نفوس قد سئمت و أوقات ضيقة و من يأت بعدهم فقد استفاد منهم ما استخرجوه و وقف على ما أظهروه من غير كدورة كلفة و حصلت له بذلك رياضة و اكتسب قوة فليس يعجب إذا صار إلى حيث زل فيه من تقدم و هو من موفور القوى متسع الزمان لم يلحقه ملل و لا خامره ضجر أن يلحظ ما لم يلحظوه و يتأمل ما لم يتأملوه و لذلك زاد المتأخرون على المتقدمين و لهذا كثرت العلوم بكثرة الرجال و اتصال الزمان و امتداد الآجال فربما لم يشبع القول في المسألة على ما أورده المتأخر و إن