مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٤١ - ٤٢- باب ما جرى فى يوم عاشوراء
و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين و قال أكره أن أبدأهم بقتال.
لما نظر الحسين (عليه السلام) إلى جمعهم كأنّه السيل رفع يديه بالدعاء و قال: اللّهم أنت ثقتى فى كلّ كرب و رجائى فى كلّ شدّة، و أنت لى فى كلّ أمر نزل بى ثقة و عدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، و تقلّ فيه الحيلة و يخذل فيه الصديق، و يشمت فيه العدو أنزلته بك و شكوته إليك رغبة منّى إليك، عمّن سواك فكشفته و فرجته فأنت ولى كلّ نعمة و منتهى كلّ رغبة.
ثمّ دعا براحلته فركبها و نادى بصوت عال يسمعه جلّهم: أيّها الناس اسمعوا قولى و لا تجعلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم علىّ و حتّى اعتذر إليكم من مقدمى عليكم فان قبلتم عذرى و صدقتم قولى و أعطيتمونى النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد و لم يكن لكم علىّ سبيل، و إن لم تقبلوا منى العذر، و لم تعطوا النصف من أنفسكم «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ ... إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ».
فلمّا سمعن النساء هذا منه صحن و بكين و ارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس و ابنه على الأكبر، و قال لهما اسكتاهنّ فلعمرى ليكثر بكاؤهنّ، و لما سكتن حمد اللّه و اثنى عليه و صلّى على محمّد و على الملائكة و الأنبياء و قال فى ذلك ما لا يحصى ذكره و لم يسمع متكلّم قبله و لا بعده أبلغ منه فى منطقه، ثمّ قال:
الحمد للّه الّذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء و زوال متصرفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرّته و الشقىّ من فتنته فلا تغرّنكم هذه الدنيا فانّها تقطع رجاء من ركن إليها و تخيب طمع من طمع فيها، و اراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم اللّه فيه عليكم و اعرض بوجهه الكريم عنكم و أحلّ بكم نقمته و جنبكم رحمته فنعم الرب ربنا و بئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة و آمنتم بالرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ انّكم زحفتم الى ذرّيته و عترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان،