مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٠٩
قال في الكشاف: و ناهيك بهذه الآية موذنة بقدم هذه الطّاعات، و أنّها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، و أنّ الصّلوة لم تزل عظيمة الشأن سابقه العزم على ما سواها يوصى بها في الأديان كلّها.
«وَ لٰا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّٰاسِ» لا تمله عنهم، و لا تولّهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبّرون من الصّعر و هو الصّيد داء يعتري البعير يلوى منه عنقه، و في الكشاف و المعنى أقبل على النّاس بوجهك تواضعا و لا تولّهم شقّ وجهك و صفحته كما يفعله المتكبّرون، و في مجمع البيان [١] و لا تمل وجهك عن النّاس تكبّرا أو لا تعرض عمّن يكلّمك استخفافا به، ثمّ قال: و قيل هو أن يكون بينك و بين الإنسان شيء فإذا لقيته أعرضت عنه، و قيل هو أن يسلّم عليك فتلوى عنقك تكبّرا و لا يبعد استفادة جميع ذلك من هذه اللّفظة.
«وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً» بطرا أو خيلاء أي لا تمرح مرحا فانّ المشي كذلك هو المرح، و يجوز أن يريد لا تمش لأجل المرح و الأشر على أنّه مفعول له أي لا يكن غرضك في المشي البطالة و الأشر كما يمشى كثير من الناس لذلك لا لكفاية مهمّ دينيّ أو دنيويّ، و نحوه قوله تعالى «وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ النّٰاسِ» [٢].
«إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ» أي متكبّر فخور على النّاس، و هو علّة للنّهي السّابق، و المختال الماشي مرحا لا لغرض دينيّ أو دنيويّ، و الفخور المصعّر خدّه، بيّن هنا أنّ اللّه لا يحبّهما فيحبّ الاجتناب عن الاتّصاف بصفتهما، و لعلّ تأخير الفخور مع أنّ المقابلة يستلزم تقديمه لتوافق رؤس الآي.
«وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ» و اعدل فيه حتّى يكون مشيا بين مشيين: لا تدبّ دبيب المتماوتين الّذين لا حراك لهم، و لا تثب وثب المسرعين في حركاتهم، و في الحديث عنه
[١] المجمع ج ٤ ص ٣١٦.
[٢] الأنفال: ٤٧.