مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣ - الأوّل في وجوبها و محلّها
إلى قبلته، فردّ اللّه عليهم، و قال: ليس البرّ ما أنتم عليه فإنّه منسوخ و لكنّ البرّ ما نبيّنه و اتّبعه المؤمنون، و إمّا عامّ لهم و للمؤمنين، أي ليس البرّ مقصورا على أمر القبلة أو ليس البرّ العظيم الّذي يحسن أن يذهلوا بشأنه عن غيره أمرها «وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ» أي البرّ الّذي يجب الاهتمام بشأنه برّ من آمن، على حذف المضاف، و يجوز أن يراد من البرّ البارّ أو ذو البرّ، أو يكون الحمل على المبالغة كقولها:
و إنّما هي إقبال و إدبار
[١].
[١] هذا عجز بيت اوله.
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
و روى غفلت مكان رتعت و رواه محب الدين افندى في شرح شواهد الكشاف ص ٨٦ لا تسأم الدهر منه حين ما ادكرت. و قبل البيت:
فما عجول على بو تطيف به * * * قد ساعدتها على التحنان أظئار
و بعده.
لا تسمن الدهر في أرض و ان ربعت * * * و انما هي تحنان و تسجار
يوما بأوجد منى يوم فارقنى * * * صخر و للدهر أحلاء و إمرار
و ان صخرا لمولانا و سيدنا * * * و ان صخرا إذا نشتو لنحار
و ان صخرا لتأتم الهداة به * * * كأنه علم في رأسه نار
و يروى الأبيات بتفاوت في الألفاظ و التقديم و التأخير يعرف عند مراجعة المصادر و هي تنيف على ثلثين بيتا.
و العجول الثكول، أراد به الناقة فقدت ولدها بموت أو نحر، و وجد هن يزيد على وجد و روى و ما أم سقب و هو الذكر من ولد الناقة.
و البو جلد ولد الناقة يحشى تبنا لتدر الام عليه، و التحنان الحنين و الاظئار جمع ظئر و هي التي تعطف على ولد غيرها و لا تسأم الدهر أى لا تمل من الحنين اليه و رتعت الإبل إذا رعت و تحنان و تسجار يقال حنت إذا طربت في أثر ولدها فإذا مدت الحنين و طربت قيل تسجرت، بالجيم. أحلاء و إمرار اى سرور و حزن و انما قالت إذا نشتو لنحار لان النحر في الشتاء. و البيت أنشده في المطول في الإسناد المجازي و الرضى في شرح الكافية باب المبتدإ و الخبر ج ١ ص ٩٦ ط حاج محرم افندى ١٢٧٥ و شرحه البغدادي شرح الشاهد ٧٠ ج ١ ص ٢٩١ ط ١٣٤٧ و ابن جنى في المنصف ج ١ ص ١٩٧ و شرحه لجنة من الأستاذين في ص ٤٣١ و المجمع ج ١ ص ٢٦١ و ج ٣ ص ٢٨٠ و شرحه القزويني في ج ٢ ص ١٢٩ بالرقم ٣٩٨ و التبيان ج ١ ص ١٩٥ ط إيران و روح الجنان ج ٢ ص ٢٠ و الكشاف ج ١ ص ٢٥١ و كذا ج ٢ ص ١٠١ تفسير سورة هود انه عمل غير صالح و كذا ج ١ ص ٢٧٠ و اللسان لغة (قبل) ص ٥٣٨ ج ١١ و كلمة (سوى) ج ١٤ ص ٤١٠ ط بيروت و السمط ٤٥٥ و البيان و التبيين ج ٣ ص ٢٠١ و الكامل للمبرد ص ١٢١٢ و الشريف المرتضى في الأمالي المجلس ١٤ و المجلس ٣٥ و العلامة آية اللّه البلاغي (قدّس سرّه) في الهدى الى دين المصطفى ط مطبعة العرفان ١٣٣١ ج ١ ص ٣٣٢ و له في ذلك بيان لطيف و أنشده في الشعر و الشعراء ص ١٢٥ و هو من شواهد سيبويه في الكتاب ج ١ ص ١٦٩ و الاشمونى و هو في شرح محمد محي الدين عبد الحميد ج ٢ ص ٣٦٤ الرقم ٤٢٤ و في حاشية الصبان ج ٢ ص ١١٩ و استشهد به أيضا ابن أبي الإصبع في بديع القرآن ص ٦٠.
استشهدوا به على صحة وقوع اسم المعنى خبرا عن اسم الغين إذا لزم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي. و فيه ثلاث توجيهات: أحدها كونه مجازا عقليا بحمله على الظاهر و هو جعل المعنى نفس العين مبالغة و الثاني ان المصدر في تأويل اسم الفاعل في نحوه و تأويل اسم المفعول في نحو زيد خلق اى مخلوق و الثالث على تقدير مضاف محذوف اى ذات إقبال و ادبار قال الشيخ عبد القادر: لا تريد بالإقبال و الادبار غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة و انما المجاز في ان جعلتها لكثرة ما تقبل و تدبر كأنها تجسمت من الإقبال و الادبار و ليس أيضا على حذف مضاف و اقامة المضاف اليه مقامه و ان كانوا يذكرونه منه إذ لو قلنا أريد انما هي ذات إقبال و ادبار أفسدنا الشعر و خرجنا إلى شيء مغسول و كلام عامي مرذول لا سياغ له عند من هو صحيح الذوق و المعرفة نسابة للمعاني انتهى.
قال البغدادي و معنى تقدير المضاف فيه انه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره و لم تقصد المبالغة لكان حقه ان يجاء بلفظ الذات لا انه مراد.
و لمحمد محي الدين عبد الحميد في تذييلاته على شرح الاشمونى ص ٣٦٦ ج ٢ عند شرح مراد الشيخ عبد القادر بيان يعجبني نقله قال: و بينه قوم بان المجاز العقلي يطلق على كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التأويل و لا شك ان الحكم المفاد بقول الخنساء فإنما هي إقبال و ادبار و هو الحكم بالاتحاد بين الناقة و الإقبال و الادبار خارج عن موضعه في العقل بتأويل انها صارت بسبب كثرة الإقبال و الادبار كأنها عينهما و تجسمت منهما فيكون مجازا عقليا على هذا المعنى فافهم هذا و لا يذهب و همك الى المعنى المعروف للمجاز العقلي و هو اسناد الفعل و ما في معناه الى غير من هو له فتنطلق متسائلا كيف يكون هذا مجازا عقليا و الإقبال و الادبار من أفعال الناقة انتهى.
ثم لا يخفى عليك ان التوجيهات الثلاث تجري في «و انما هي تحنان و تسجار» أيضا.
و روى الأخفش في شرح ديوان الاخنس انه روى «فإنما هو» أراد فعلها.
و القصيدة للخنساء ترثى بها صخرا و يقال لها خناس كغراب و الخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة و اسمها تماضر بضم المثناة الفوقانية و كسر الضاد المعجمة قال ابن خلف: قالوا للبياض تماضر و أكثر ما يكون للنساء.
و هي بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن الرياح من يقظة عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
الرياحية السليمة من قيس عيلان من مضر من أهل نجد عاشت أكثر عمرها في الجاهلية و أدركت الإسلام و وفدت على رسول اللّه (ص) مع قومها بنى سليم و ذكروا ان رسول اللّه (ص) كان يستنشدها و يعجبه شعرها فكانت تنشده و هو يقول هيه يا خناس و يومئ بيده.
و أكثر شعرها لاخويها معاوية شقيقها و صخر أخيها لأبيها و كانا قد قتلا في الجاهلية فتابعت عليهما بالبكاء و الرثاء بما لم يقف أخت لأخ حتى ضرب بها المثل و كان حزنها و بكاؤها على صخر أشد من حزنها و بكائها على معاوية لبره بها.
و ممن قدمها على جميع النساء و بعض فحول الرجال النابغة في الجاهلية و جرير و بشار في الإسلام قال لها النابغة ما رأيت ذا مثانة أشعر منك قالت و لا ذا خصيتين و قيل لجرير من أشعر الناس قال انا، لو لا الخنساء.
و كان بشار يقول لم تقل امرءة شعرا الا ظهر الضعف فيه فقيل أو كذلك الخنساء فقال: لها أربع خصي و يقال: ان الخنساء كان لها سبع خصي يراد انها محصورة بالشعراء فلم تلد الا شاعرا و كان عصبتها أيضا شعراء و روى ان النبي (ص) أيضا قال لعدي بن حاتم اما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو و اما أسخى الناس فمحمد يعنى نفسه (ص) و اما افرس الناس فعلى بن ابى طالب.
و أطرءها الشريف المرتضى أيضا في المجلس ٧ و شهدت الخنساء حرب القادسية مع أربعة أولاد لها فاوصتهم عند خروجهم الى القتال بوصية بليغة فقتلوا جميعا فقالت الحمد للّه الذي شرفني بقتلهم و توفيت في أول خلافة عثمان سنه ٢٤ هانظر ترجمتها في أسد الغابة ج ٥ ص ٤٤١ و الإصابة ج ٤ ص ٢٧٩ الرقم ٣٥٥ و الاستيعاب بذيل الإصابة ج ٤ ص ٢٨٧ و شرح الشريف على المقامات ط ١٣٧٢ ج ٤ من ص ٤٦ الى ٤٩ و المفصل في تاريخ الأدب العربي ج ١ ص ١١٧ و اعلام النساء ج ١ ص ٣٦٠ الى ص ٣٧١ و الاعلام ج ٢ ص ٦٩ و الشعر و الشعراء ص ١٢٢ و جمهرة أنساب العرب ص ٢٦١ و ص ٢٦٣ و آداب اللغة العربية ج ١ ص ١٣٨ و المؤتلف و المختلف ص ١٥٧ و ريحانة الأدب ج ١ ص ٤١١ الرقم ٩٣٤ و بلاغات النساء ص ١٨٣.