مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٤٤ - تنبيهات
و لعلّ مستند الخصم ما رواه إسحاق بن عمّار [١] عن الصّادق (عليه السلام) قال كان أبى يقول من طاف بهذا البيت أسبوعا و صلّى ركعتين في أيّ جوانب المسجد شاء، كتب اللّه له ستّة آلاف حسنة الحديث.
و فيه نظر لضعف المستند [٢]، و ظهور ذلك في طواف التطوّع، فيبقى الأمر
[١] الكافي ج ١ ص ٢٧٩ باب فضل الطواف الحديث ٢ و هو في المرآة ج ٣ ص ٣٢١ و الوافي الجزء الثامن ص ٢٢٩ و الوسائل الباب ٧٣ الحديث ٢ ص ٣٢٣ ج ٢ ط الأميري و قلائد الدرر ج ٢ ص ٧٦ قال المجلسي حسن أو موثق.
[٢] قلت: سند الحديث هكذا: على بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن إسحاق بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام).
فالثلاثة الأول حالهم في الجلالة معلوم، و اما إبراهيم بن عمر اليماني فقال النجاشي على ما في ص ١٦ ط المصطفوى: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني ثقة روى عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (ع) ذكر ذلك أبو العباس و غيره له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى و غيره أخبرنا محمد بن عثمان قال حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد قال حدثنا عبيد اللّه بن احمد بن نهيك قال حدثنا ابن أبى عمير عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر به انتهى.
و الظاهر أن أبا العباس هو ابن نوح و ان قوى الشهيد الثاني في محكي حواشيه على الخلاصة كونه ابن عقدة و لا أقل من الاحتمال و ذلك لان ابن نوح شيخ النجاشي و بينه و بين ابن عقدة وسائط مضافا الى أن ابن نوح جليل و الأخر عليل، و الإطلاق ينصرف الى الكامل سيما عند أهل هذا الفن خصوصا النجاشي، بل ربما يعد ارادة الناقص عندهم تدليسا.
ثم ان كان «ذلك» في قوله «ذكر ذلك أبو العباس و غيره» إشارة إلى تمام ما ذكر قبله فيبعد كون أبى العباس ابن عقدة الزيدي، ثم يقول شيخ من أصحابنا، و ان كان إشارة إلى كونه من أصحاب الإمامين فيثبت توثيق النجاشي نفسه لإبراهيم بن عمر و على أى فالظاهر من كلام النجاشي كونه موثقا عنده و كون وثاقته مشهورة.
و قال العلامة في الخلاصة ص ٦ بالرقم ١٥ ط النجف عند سرد القسم الأول ممن اعتمد على روايته: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني، قال النجاشي ره انه شيخ من أصحابنا ثقة روى عن ابى جعفر (عليه السلام) و ابى عبد اللّه (عليه السلام) ذكر ذلك أبو العباس و غيره و قال ابن الغضائري انه ضعيف جدا روى عن ابى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) له كتاب و يكنى أبا إسحاق، و الأرجح عندي قبول روايته و ان حصل بعض الشك بالطعن فيه انتهى.
و في رجال القهبائى ج ١ ص ٦٠ عن ابن الغضائري: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني يكنى أبا إسحاق ضعيف جدا، روى عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و له كتاب انتهى.
و بسط الكلام في حقه العلامة البهبهاني في حواشيه الرجالية على منهج المقال من ص ٢٤ الى ص ٢٦ فراجع.
و الأقوى عندي وثاقة الرجل لما عرفت من توثيق النجاشي إياه و لرواية مثل حماد بن عيسى و الحسين بن سعيد و محمد بن على بن محبوب و ابن أبى عمير و لو بواسطة حماد بن عيسى عنه و كون رواياته مفتى بها عند الأصحاب في كثير من المسائل و ابن الغضائري عندي بمكان من الجلالة، و ان تكلم فيه بعض و ليس المقام موضع اطالة الكلام الا أن إكثاره في قدح أعاظم الأصحاب و أجله الرواة و أصحاب الحديث مما يوهن الوثوق بمقاله، و الاعتماد على كتابه في الجرح، طرح لما سواه من الكتب، و قد بلغ الغاية في تضعيف الروايات و الطعن في الرواة و لعله يعتقد ما ليس بقدح قدحا، مع أن تعبيره بالضعف ليس القدح في نفس الرجل، فإنه كثيرا ما يطلق الضعيف على ما يروى عن الضعفاء و يرسل الاخبار أو يروى من غير إجازة أو عمن لم يلقه أو رواية فاسدي المذهب عنه و عكسه أو يروى عن كل أحد أو كون رواياته مما تعرف تارة و تنكر اخرى.
و اما إسحاق بن عمار فقال النجاشي في ص ٥٥ ط المصطفوى: إسحاق بن عمار بن حيان مولى بنى تغلب أبو يعقوب الصيرفي شيخ من أصحابنا ثقة، و ساق الكلام الى أن ذكر أن له كتاب نوادر يرويه عنه عدة من أصحابنا، ثم ذكر رواية الكتاب المذكور بسنده عن غياث بن كلوب بن قيس البجلي عن إسحاق.
و ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب أصحاب الصادق (عليه السلام) ص ١٩٤ بالرقم ١٣٥ قائلا إسحاق بن عمار الكوفي الصيحاني، و في باب أصحاب الكاظم ص ٣٤٢ الرقم ٣ قائلا إسحاق بن عمار ثقة له كتاب، و ذكره في الفهرست ص ٣٩ بالرقم ٥٢ فقال: إسحاق بن عمار الساباطي له أصل و كان فطحيا الا انه ثقة و أصله معتمد عليه، ثم ذكر روايته للأصل بسنده عن ابن أبى عمير عنه.
فاختلف أرباب المعاجم الرجالية من المحققين في شأن هذا الرجل و ان إسحاق بن عمار في الأسانيد هل هو واحد أو متعدد، و أن أحدهما إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي التغلبي الثقة و الأخر إسحاق بن عمار الساباطي الفطحي، و اختلف القائلون بالاتحاد، فقال بعض ان الموجود في أسانيد الأحاديث انما هو ابن حيان الصيرفي الإمامي الثقة و انه لا وجود للساباطى في أسانيد الاخبار و نسب الى بعض أنه في الأسانيد واحد، و أنه هو الساباطي ثم القائلون بالتعدد ذكروا لكل مميزات يتميز حديث أحدهما عن الأخر، و قد بسط الكلام في هذا البحث العلامة بحر العلوم (قدّس سرّه) في الفوائد الرجالية من ص ٢٩٠ الى ص ٣٢٠ ج ١ و المامقاني في تنقيح المقال من ص ١١٥ الى ص ١٢٠ من أبواب الهمزة ج ١، و حجة الإسلام الشفتي في رسالته الرجالية في ص ٣٥ صحيفة كبيرة فراجع.
و لم يتحقق لي إلى الان أن الحق مع اى منهم، و أنا في شأن هذا الرجل من المتوقفين الا أن نتيجة هذا التوقف أنه يعد الحديث من جهته في الموثق و ذلك لان إسحاق بن عمار ان كان واحدا و كان ابن حيان الصيرفي فهو الإمامي الثقة، فالحديث من جهته صحيح و ان كان الساباطي فهو من الموثق و أصله معتمد عليه، و عند التردد فالنتيجة تابعة لاخس المقدمتين فيعد من الموثق.
ثم مع فرض التعدد فحيث انه لم يثبت صحة ما ذكروه من المميزات لتشخيص أحدهما عن الأخر فكل حديث في سنده إسحاق بن عمار مردد بين الصحيح و الموثق، و حيث ان النتيجة تابعة لاخس المقدمتين فهو ملحق بالموثق كما أفاده العلامة المجلسي الأول على المحكي في شرحه على مشايخ الصدوق و هو قائل بالتعدد.
و على أى فلا إشكال في العمل بروايته فان اعتبار العدالة في الراوي ليس من باب التعبد بل من باب الوثوق و الاطمئنان الذي هو المرجع عند العقلاء كافة في أمور معايشهم و معادهم، و الوثوق بإسحاق بن عمار و لو كان الساباطي حاصل، و لو كانت العدالة معتبرة في الراوي من باب الموضوعية للزم عدم العمل بروايات بنى فضال مع التنصيص من الامام العسكري (عليه السلام) بالأخذ بما رووا و ترك ما رأوا. فالقول باعتبار العدالة على وجه الموضوعية كالاجتهاد في قبال نص العسكري (عليه السلام).
و عمدة الدليل على حجية الخبر الواحد انما هو طريقة العقلاء و استقرار بنائهم طرا و اتفاق سيرتهم العملية على اختلاف مشاربهم و اذواقهم على الأخذ بمن يثقون بقوله و يطمئنون إلى صدقه و يأمنون كذبه، و على اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات، و أن الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغاة بنظرهم، لا يعتنون بها فلا يلتفتون الى احتمال تعمد الكذب من الثقة كما لا يلتفتون الى احتمال خطأه و اشتباهه أو غفلته.
و معلوم أن الشارع المقدس متحد المسلك معهم لانه منهم بل هو رئيسهم، و ليس له طريق خاص مخترع في تبليغ الاحكام غير طريق العقلاء، و لو كان له طريق خاص قد اخترعه غير مسلك العقلاء لاذاعه و بينه للناس، و لظهر و اشتهر و لما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة البشر، و لا شك في ان سيرة العقلاء انما هو على الأخذ بخبر الثقة بما هو ثقة من غير موضوعية العدالة فما افاده المصنف هنا من ضعف المستند لا وجه له.
نعم ما أفاده بعد ذلك بقوله و ظهور ذلك في طواف التطوع تام لا غبار عليه و متأيد بحديث زرارة عن أحدهما المروي في التهذيب ج ٥ ص ١٣٧ بالرقم ٤٥٢ و الكافي ج ١ ص ٣٨٢ باب ركعتي الطواف الحديث ٨ قال «لا ينبغي ان تصلى ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام إبراهيم و اما التطوع فحيث ما شئت من المسجد» و ليس لكلمة لا ينبغي ظهور في الكراهة بل معناها الأعم من الكراهة و عدم الجواز، و استعمال هذه الكلمة في غير الجائز كثير. و يدل على جواز صلاة طواف النافلة في غير المقام أيضا مفهوم مرسل صفوان المتقدم كما مر.