مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢١ - (البحث الثاني) في قبض الزكاة و إعطائها المستحق
فأيقنوا بالهلاك، فقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدخل المسجد فصلّى ركعتين فسأل عنهم، فذكر له أنّهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يحلّهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أنا اقسم أن لا احلّهم حتّى أومر فيهم، فنزلت الآية المتقدّمة على هذه، فأطلقهم و عذرهم.
فقالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا الّتي خلّفتنا عنك، فتصدّق بها و طهّرنا فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم):
ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت الآية فأخذ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعضا من أموالهم، و ترك الباقي.
و قد اختلف في الصدقة المأمور بأخذها فقيل ليس المراد بها الصدقة المفروضة بل هي على سبيل الكفّارة للذنوب الّتي أصابوها بسبب تخلّفهم عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قيل أراد بها الزكاة المفروضة و نقله في مجمع البيان عن أكثر المفسّرين [١] ثمّ قال و هو الظاهر، لأنّ حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له، فيكون أمرا بأن يأخذ من المالكين للنصاب من الأموال المختلفة الزكاة من كلّ مال بخصوصه مع اجتماع الشرائط المعتبرة فيه على ما دلّت عليه الأخبار و انعقد عليه الإجماع.
و استدلّ بعض أصحابنا بظاهر الأمر على وجوب دفع الزكاة إلى النبيّ أو الإمام (صلوات اللّه عليهما)، و الآية خالية عن الدلالة على ذلك، فإنّ أقصى ما دلّت عليه وجوب الأخذ و هو حقّ مع الدفع، أمّا بدونه فلا.
و لو قيل إنّ وجوب الأخذ يستلزم وجوب الطلب في الجملة لقلنا نحن لا ننازع في وجوب الدفع مع الطلب، أمّا وجوب الحمل إليه ابتداء فالآية الكريمة خالية عن الدلالة عليه، و الأمر في ذلك سهل لأنّ الإمام (عليه السلام) أبصر بالحكم لكنّ الكلام فيما يذهب إليه بعضهم من قيام الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء مقامه في ذلك حيث أوجب الدفع إليه بظاهر الأمر و هو بعيد، و الاستحباب أقوى لأصالة عدم الوجوب و لأنّه امتثل الأمر في قوله «وَ آتُوا الزَّكٰاةَ» و نحوه [٢] و الروايات المستفيضة الدالّة على جواز تولّى المالك لذلك
[١] انظر المجمع ج ٣ ص ٦٨.
[٢] من الروايات خ.