مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٠ - (البحث الثاني) في قبض الزكاة و إعطائها المستحق
الطريق كما سمّى اللصّ القاطع الطريق بابن الطريق، و يدخل فيه الضيف و هذا التفسير ممّا اختاره الشيخ و أكثر أصحابنا، و تابعهم فيه مالك و أبو حنيفة، و قال الشافعيّ: ابن السبيل المجتاز، و المنشئ للسفر أيضا و هو قول ابن الجنيد من أصحابنا، و الأظهر الأوّل لأنّ المتبادر من ابن السبيل من كان ملازما له و كونه فيه، و ظاهر أنّ ذلك لا يتحقّق في المنشئ للسفر، و يؤيده ما ذكره علىّ بن إبراهيم [١] في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: ابن السبيل أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه، فيقطع عليهم، و يذهب ما لهم، فعلى الامام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات.
احتجّ الخصم بأنّه يسمّى ابن السبيل لأنّه يريد الطريق و لأنّه يريد إنشاء السفر في غير معصية، فجاز أن يعطى من سهم ابن السبيل كما لو نوى إقامة مدّة ينقطع بها سفره ثمّ أراد الخروج فإنّه يدفع إليه من الصدقة إجماعا، مع كونه منشئا للسفر.
و الجواب عن الأوّل أنّ التسمية فيه مجاز باعتبار ما يؤل إليه و اللفظ عند الإطلاق و عراء القرائن إنّما ينصرف إلى الحقيقة و عن الثاني بأنّ انقطاع السفر فيما ذكرتموه من الصور حكم شرعيّ لا عرفي و لا لغويّ إذ لا يسمّى الخارج من غير بلده بعد مقام خمسة عشر يوما أو عشرة أيّام على اختلاف المذهبين أنّه منشئ للسفر لغة و لا عرفا، فيكون مثله داخلا في الآية لكونه ملازما للسفر لا لكونه منشئا له، و الغرض من هذا الكلام أنّ المنشئ للسفر لا يعطى من سهم ابن السبيل، نعم يعطى من سهم الفقراء إن كان فقيرا.
«فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ» نصب على المصدر، أي فرض اللّه ذلك فريضة و هو دالّ على الوجوب و قرئ بالرفع على «تلك فريضة».
«وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» يضع الأشياء في مواضعها، و الظاهر من الآية أنّ المذكورين مصرفها، و أنّها لهم لا تخرج منهم إلى غيرهم، و هو ألصق بما قبلها أعنى قوله تعالى:
«وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقٰاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهٰا رَضُوا» الآية:
أخبر تعالى عن طعن المنافقين و لمزهم بأنّهم إذا لم يعطوا من الصدقات سخطوا و إن أعطوا رضوا، فاقتضى الحال الردّ عليهم ببيان من يجب صرف الصدقات إليه قطعا
[١] قد مر الايعاز الى المصدر قبل ذلك.