مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٩٣ - كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)
«سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ» [١] فعلم من ذلك أنّ ذكر المتّقين هنا للاهتمام أو لغيره لا للحصر، و تنكير جنّات على تقدير كون «أولئك» خبر «الّذين» للدّلالة على أنّ ما لهم أدون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة، و كفاك فارقا بين القبيلين أنّه فصل آيتهم بأن بيّن أنّهم محسنون مستوجبون لمحبّة اللّه، و ذلك لأنّهم حافظوا على حدود الشّرع و تخطّوا إلى التخصيص بمكارمه، و فصل آية هؤلاء بقوله «وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعٰامِلِينَ» نظرا إلى أنّ المتدارك لتقصيره، كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه، و فرق ما بين المحسن و المتدارك، و المحبوب و الأجير، و لعلّ في تبديل لفظ الجزاء بالأجر إشارة إلى هذه النكتة، و المخصوص بالمدح محذوف تقديره «و نعم أجر العاملين ذلك» يعني المغفرة و الجنّات.
السادسة:
[وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا فَلٰا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّٰهَ جٰامِعُ الْمُنٰافِقِينَ وَ الْكٰافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] [٢].
«وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ» أي القرآن، و قرئ نزّل على البناء للمجهول و نائب الفاعل قوله «أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ» و هي المخفّفة من الثقيلة و اسمها ضمير الشأن، و المعنى أنّه إذا سمعتم آيات اللّه «يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا» و هما حالان من الآيات «فَلٰا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» و هو جزاء «إذا» الشرطيّة و «غيره» صفة «حديث» و المراد نهي المؤمنين عن مجالسة المعاندين المستهزئين، وقت إظهار العناد و الكفر و الاستهزاء بالآيات منهم، فضمير «معهم» يرجع إلى الكفّار
[١] الحديد: ٢١.
[٢] النساء: ١٤٠.