مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٩٢ - كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)
«أُولٰئِكَ جَزٰاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» خبر عن «الّذين» إن جعل مبتدءا و جملة مستأنفة مبيّنة لما قبلها إن عطف «الّذين» على «المتّقين» أو على «الّذين ينفقون» فيكون المعنى أنّ الجنّة معدّة للمتّقين و التائبين بمعنى أنّ الغرض الأصليّ من خلقها دخولهم، و حينئذ فلا ينافي ذلك دخول غيرهم، و هم المصرّون كما أنّ النّار معدّة للكفّار جزاء لهم على كفرهم، و مع ذلك يدخلها غيرهم من الفسّاق.
فقول صاحب الكشاف و في هذه الآيات بيان قاطع أنّ الّذين آمنوا على ثلاث طبقات: متّقون، و تائبون، و مصرّون، و أنّ الجنّة للمتّقين و التائبين منهم دون المصرّين، فمن خالف ذلك. فقد كابر عقله و عاند ربّه.
مدفوع بما بيّناه، و بما دلّ على دخول المصرّين الجنّة من الآيات الصّريحة في العفو و التفضّل و الإحسان و المغفرة لمن يشاء، و عموم قوله «من عمل صالحاً يجزيه» [١] و سائر ما يدلّ على وجوب إيصال ثواب العمل إلى صاحبه، و بعد خلود النّار من فعل ذنبا واحدا آخر عمره و لم يتب عنه، مع صرف أكثر عمره في الطاعة و العبادة، و ما ذكره مبنىّ على الإحباط و على أنّ كلّ ذنب كفر، و على عدم جواز العفو، و هي باطلة عندنا بما قام من الأدلّة العقليّة على بطلانها.
على أنّا لو سلّمنا دلالتها على أنّ الجزاء و أجر العمل الموجب لدخول الجنّة مخصوص بالمتّقين و التّائبين، فلا يدلّ على عدم دخول غيرهما بالتفضّل و الإحسان و العفو و كظم الغيظ الّتي مدح اللّه تعالى عباده المتّصفين بها و حثّهم عليها، فيبعد أن يمنع نفسه و هو كريم على الإطلاق لا يزيد في ملكه الطّاعة و لا ينقصه المعصية، هذه الصّفات الكاملة مع ترغيبه فيها للعبد الّذي الانتقام كالخلق و الطّبع له.
و لأنّ الدّلالة على ذلك إنّما هي بالمفهوم الضّعيف، فلا يصار إليه مع تصريح المنطوق بخلافه، قال تعالى في سورة الحديد
[١] النساء: ١٢٣.