مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٩٣ - تنبيهات
التلبية و الاشعار و التقليد، فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحجّ الحديث، و فيها دلالة على ركنيّة التلبية كما هو قول الأكثر، و أنّها تجزي مطلقا، و يجزى أحدهما أيضا للقارن كما دلّ عليه صحيحة [١] معاوية عنه (عليه السلام) قال يوجب الإحرام ثلثة أشياء التلبية و الإشعار و التقليد، فأيّ ذلك فعل فقد أحرم، لاقتضائها توقّف الإحرام على أحد هذه المذكورات فمع انتفائها تنتفي الإحرام، كما يقتضيه مفهوم الشّرط، و ظاهر أنّ الإخلال بالإحرام مبطل للحجّ و لا نعني بالركنيّة سوى هذا.
و نقل العلامة في المختلف القول بعدم الركنيّة عن الشّيخ في المبسوط و احتجّ بأنّ الأصل صحّة الحجّ، و أجاب بالمنع لأنّه لم يأت بالمأمور به و هو جيّد، و حتم المرتضى انعقاد الإحرام في الجميع بالتلبية فقط، و هو قول ابن إدريس و يردّه الأخبار [الدّالّة على الانعقاد بالإشعار أو التقليد] هذا.
و فرض الحجّ في القران و الإفراد ظاهر و أمّا فرضه في حجّ التمتّع فيكون بالإحرام بعمرته إذ هي داخلة في الحجّ و كالجزء منه، بحيث لو دخل بها دخل في الحجّ على ما عرفت، و لعلّ في قوله «فَمَنْ فَرَضَ» دلالة على وجوب الإتمام بالشروع لصيرورته حينئذ فرضا و إن كان قبل ذلك تطوّعا، و به استدلّ على وجوب الإتمام مع الشروع فيه.
«فَلٰا رَفَثَ» فلا جماع، و لا يبعد أن يدخل فيه ما يتبعه ممّا يحرم من النّساء على المحرم كالتّقبيل و غيره «وَ لٰا فُسُوقَ» خروج عن حدود الشرع بالكذب و المفاخرة أو السّباب «وَ لٰا جِدٰالَ» و لا مراء «فِي الْحَجِّ» في أيّامه، و في أخبارنا أنّ الجدال قول الرّجل «لا و اللّه» و «بلى و اللّه» روى علىّ بن جعفر في الصّحيح [٢] قال سألت أخي
[١] رواه بهذا اللفظ في التهذيب ج ٥ ص ٤٣ بالرقم ١٩٢ و نقله عنه في المنتقى ج ٢ ص ٣٧٢ و في الوافي الجزء الثامن ص ٩١ و الوسائل الباب ١٢ من أبواب أقسام الحج الحديث ٢٠ ص ١٧٠ ج ٢ ط الأميري.
[٢] التهذيب ج ٥ ص ٢٩٧ الرقم ١٠٠٥ و الحديث كذالك: موسى بن القاسم عن على بن جعفر قال سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو و ما على من فعله فقال الرفث جماع النساء، و الفسوق الكذب و المفاخرة، و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، و ان لم يجد فشاة و كفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله و هو محرم.
قال صاحب المعالم في المنتقى ج ٢ ص ٣٨٦ بعد نقله الحديث: قلت كذا في النسخ التي تحضرني للتهذيب و ما رأيت للحديث في الكتب الفقهية ذكرا سوى العلامة في المنتهى و بعض المتأخرين عنه، ذكروا منه تفسير الفسوق أشعر ذلك بتقدم وقوع الخلل فيه و الا لذكروا منه حكم الفسوق في الكفارة أيضا و لكنهم اقتصروا في هذا الحكم على ما في حديث الحلبي و ابن مسلم محتجين به وحده، و لو رأوا لهذا الحديث افادة للحكم مخالفة لذاك أو موافقة لتعرضوا له كما هي عادتهم لا سيما العلامة في المنتهى فإنه يستقصي كثيرا في ذكر الاخبار.
و كان يختلج بخاطري أن كلمتي «يتصدق به» تصحيف يستغفر ربه فيوافق ما في حديث الحلبي و ابن مسلم و في الاخبار من نحو هذا التصحيف كثير، فلا يستبعد، و لكني راجعت كتاب قرب الاسناد لمحمد بن عبد اللّه الحميري فإنه متضمن لرواية كتاب على بن جعفر الا أن الموجود من نسخته سقيم جدا باعتراف كاتبها الشيخ محمد بن إدريس العجلي (رحمه اللّه) و التعويل على ما فيه مشكل على كل حال.
فالذي رأيته فيه يوافق ما في التهذيب من الأمر بالتصدق و ينافي الخبر الأخر، و يبقى قضية التصحيف، و فيه زيادة يستقيم بها المعنى و يتم بها الكلام الا أن المخالفة معها لما في ذلك الخبر و غيره مما سيأتي أكثر و أشكل، و هذه صورة ما فيه «كفارة الجدال و الفسوق الشيء يتصدق به».
و العجب من عدم تعرض الشيخ لهذا الاختلاف في الاستبصار، و لعل ما في قرب الاسناد من تصرف النساخ بعد وقوع نوع من الاختلال في أصل كتاب على بن جعفر مع أن في طريق الحميري لرواية الكتاب جهالة و ربما يحتمل إطلاق المتصدق فيه بالنسبة إلى كفارة الجدال على التقييد الوارد في غيره و ان بعد، انتهى ما في المنتقى.
و روى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص ١٠٥ عن التهذيب و فيه بعد نقل الحديث بيان هكذا وجد هذا الحديث فيما رأيناه من النسخ و لعله سقط من الكلام شيء و نقل حديث الشيخ في الوسائل صدره في الباب ٣٢ من أبواب تروك الإحرام الحديث ٤ ص ٢٥٩ ج ٢ ط الأميري و ذيل الحديث في الباب ٣ من أبواب كفارات الاستمتاع في الإحرام الحديث ٤ ص ٢٨٤.
و روى حديث قرب الاسناد في الباب المذكور الحديث ١٦ ص ٢٨٥ و بعده و رواه على بن جعفر في كتابه مثله و اللفظ في الوسائل و كذا في النسخة المطبوعة بالنجف من قرب الاسناد ص ١٣ «شيء يتصدق به» و لعله أصح مما في المنتقى «الشيء يتصدق به».