مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٨ - الأوّل في وجوبها و محلّها
بهم إلى يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها، و أصله يحمى بالنار فجعل الأحماء للنار مبالغة ثمّ غير الكلام بحذف النار و إسناد الفعل إلى الجارّ و المجرور تنبيها على المقصود فانتقل الفعل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، و الضمير إمّا للكنوز أو للفضّة كما عرفت.
«فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» تخصيص المواضع الثلاثة مع أنّ الكيّ شامل لجميع أبدانهم إمّا لأنّ جمعهم و إمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى و التنعّم بالمطاعم [الشهيّة] و الملابس البهيّة أى لهذه الثلاثة.
و إمّا لأنّ صاحب المال إذا رأى الفقير قبض وجهه، و زوى ما بين عينيه، و طوى كشحه، و ولّاه ظهره، فالإعراض يحصل بها و إمّا لأنّ المراد بالجباه هنا الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة الّتي هي الدماغ و القلب و الكبد.
«هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ» أى يقال لهم حال الكيّ أو بعده هذا جزاء ما ادّخر تموه «لِأَنْفُسِكُمْ» لمنفعتها، و لم تؤدّوا حقّ اللّه منها، و كان في الواقع عين مضرّتها و سبب تعذيبها «فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» أي وباله، و ذوقوا العذاب بسبب كنزكم و منعكم حقّ اللّه و حذف للظهور.
و ظاهر الآية تحريم الكنز، و ترتّب الوعيد عليه و هو محمول على الكنز بدون إنفاق الواجب كما أشرنا إليه، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بهما» [١] و نحوه محمول على ما إذا لم يؤدّوا الحقّ الواجب، فلا حاجة إلى ما ذكره بعضهم من أنّ الآية دلّت على تحريم الكنز و عدم الإنفاق لكن نسخ ذلك بآية الزكاة، لأنّ النسخ خلاف الأصل فلا يصار إليه إلّا بموجب قوىّ.
[١] انظر الدر المنثور ج ٣ ص ٢٣٣ اخرج عن أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و ابن مردويه عن ثوبان قال: كان نصل سيف أبي هريرة من فضة فقال له أبو ذر أما سمعت رسول اللّه (ص) يقول: ما من رجل ترك صفراء و لا بيضاء الا كوى بهما؟ و انظر في تفسير الآية تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي مد ظله من ص ٢٦٠ الى ٢٧٧ ج ١٠ ففيها مباحث مفيدة جدا فراجع.