تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٥ - و من السورة التي يذكر فيها موسى عليه السلام و هى «طه»
و يقول العربي لغيره: أنت منى بمرأى و مسمع. يريد بذلك أنه متوفر عليه برعايته، و منصرف إليه بمراعاته.
و قوله سبحانه: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [٤١]و هذه استعارة. و المراد بها: و اصطنعتك لتبلغ رسالتى، و تنصرف على إرادتى و محبتى، و قال بعضهم: معنى لنفسى هاهنا: أي لمحبتى.
و إنما جاز أن يوقع النفس موقع المحبة لأن المحبة أخص شىء بالنفس، فحسن أن تسمى بالنفس. و قد [١] يجوز أن يكون ذلك على معنى قول القائل: اتخذت هذا الغلام لنفسى، أي جعلته خاصا لخدمتى، لا يشاركنى فى استخدامه أحد غيرى. و سواء قال: اتخذته أو اتخذته لنفسى، فى فائدة الاختصاص، ليس أن هناك شيئا يتعلق بالنفس على الحقيقة.
و قوله سبحانه: قََالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطىََ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىََ [٥٠] و هذه استعارة على أحد التأويلين. و المراد بها-و اللّه أعلم-أنه أكمل لكل شىء صورته، و أتقن خلقته، و هذا يعم كلّ مصوّر من حيوان و جماد و غير ذلك. فلا معنى لحمل من حمله على الحيوان فقط.
و عندى فى ذلك وجه آخر، و إن كان الكلام يخرج به من باب الاستعارة.
و هو أن يكون فى الكلام تقدير و تأخير. فكأنه سبحانه قال: ربّنا الذي أعطى خلقه كل شىء، ثم هداهم إلى مطاعمهم و مشاربهم، و مناكحهم، و مساكنهم و غير ذلك من مصالحهم. و يكون ذلك نظير قوله تعالى: وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ [٢] . و يكون المراد أنه سبحانه أعطى خلقه فى أول خلقهم
[١] فى الأصل «فقد» و لا معنى للعطف بالفاء هنا.
[٢] سورة إبراهيم. الآية رقم ٣٤.