تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٨٥ - و من السورة التي يذكر فيها «إبراهيم عليه السلام»
و إنما وصف الجبان بأنه لا قلب له، لأن القلب محل الشجاعة، و إذا نقى المحل فأولى أن ينتفى الحالّ فيه. و هذا على المبالغة فى صفته بالجبن. و يسمون الشيء إذا كان خاليا «هواء» ، أي ليس فيه ما يشغله إلا الهواء.
و على هذا قول اللّه سبحانه: [١] وَ أَصْبَحَ فُؤََادُ أُمِّ مُوسىََ فََارِغاً أي خاليا من التجلد، و عاطلا من التصبّر. و قيل أيضا: إن معنى ذلك أنّ أفئدتهم منحرفة [٢] لا تعى شيئا، للرعب الذي دخلها، و الهول [٣] الذي استولى عليها. فهى كالهواء الرقيق فى الانحراف، و بطلان الضبط و الامتساك.
و قوله سبحانه: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ [٤٦]. و هذه استعارة على إحدى القراءتين. و هما: لتزول. بكسر اللام الأولى و فتح اللام الأخرى. و لتزول.
بفتح اللام الأولى و ضم الأخرى. و قرأنا بهذه القراءة للكسائى [٤] وحده، و قرأنا لبقية السبعة القراءة الأولى.
فمعنى القراءة الأولى أن يكون موضع «أن» فيها موضع نعم، لأنها قد ترد [٥] بهذا المعنى مثقلة: كقوله: (إنّ و راكبها [٦] ) .
[١] سورة القصص. الآية رقم ١٠.
[٢] فى الأصل: مستحرفة.
[٣] فى الأصل: و القول الذي استولى عليها. و لا معنى للقول هنا. و إنما هو الهول المقابل للرعب.
[٤] الكسائي: هو على بن حمزة الكوفي، أحد القراء السبعة. و إمام مدرسة فى النحو و اللغة مشهورة. و كان مؤدبا للرشيد العباسي و ابنه الأمين. توفى سنة ١٨٩ بمدينة الري.
[٥] فى الأصل: قد تردد. و هو تحريف من الناسخ.
[٦] هذا هو ما ردّ به ابن الزبير رضى اللّه عنه لمن قال له: لعن اللّه ناقة حملتنى إليك. فقال ابن الزبير: إنّ و راكبها. أي: نعم!و لعن راكبها. و هو من شواهد كتب معانى الحروف. انظر «مغنى اللبيب» ج ١ ص ٣٦.