تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٤٢ - و من السورة التي يذكر فيها «قد أفلح المؤمنون»
أو يكون المعنى: و اصنع الفلك بأعين أوليائنا من الملائكة و المؤمنين. فإنا نمنعك بهم، و نشدك بمعاضدتهم، فلا يصل إليك من أرادك، و لا تبلغك مرامى من كادك.
و قوله سبحانه: فَجَعَلْنََاهُمْ غُثََاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ [٤١]و هذه استعارة.
و المراد بها-و اللّه أعلم-أنه عاجلهم بالاستئصال و الهلاك، فطاحوا كما يطيح الغثاء إذا سال به السيل. و الغثاء: ما حملت السيول فى ممرها من أضغاث النبات، و هشيم الأوراق و ما يجرى مجرى ذلك. فكأن أولئك القوم هلكوا، و لم يحسّ لهم أثر، كما لا يحسّ أثر ما طاح به السيل من هذه الأشياء المذكورة.
و العرب يعبرون عن هلاك القوم بقولهم: قد سال بهم السيل. فيجوز أن يكون قوله سبحانه: فَجَعَلْنََاهُمْ غُثََاءً . كناية عن الهلاك، كما كنوا بقولهم: سال بهم السيل عن الهلاك. و المعنى: فجعلناهم كالغثاء الطافح فى سرعة انجفاله [١] ، و هوان فقدانه.
و قوله سبحانه: وَ لَدَيْنََا كِتََابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ [٢] لاََ يُظْلَمُونَ [٦٢]. و هذه استعارة. و النطق لا يوصف به إلا من يتكلم بآلة.
و سمعت قاضى القضاة [٣] أبا الحسن يجيب بذلك من يسأله: هل يجوز أن يوصف القديم تعالى بأنه ناطق، كما يوصف بأنه يتكلم؟فمنع من ذلك، و قال: ما قدمت ذكره. فوصف سبحانه القرآن بالنطق مبالغة فى وصفه بإظهار البيان. و إعلان البرهان، و تشبيها باللسان الناطق، فى الإبانة عن ضميره، و الكشف عن مستوره.
و قوله سبحانه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هََذََا [٦٣]و هذه استعارة. و المراد
[١] الانجفال: الهرب فى إسراع.
[٢] فى الأصل: «فهم» بالفاء. و هو تحريف من الناسخ.
[٣] تقدمت ترجمتنا له عند الكلام فى مجازات سورة الكهف.