تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٤٦ - و من السورة التي يذكر فيها «سأل سائل»
و من السورة التي يذكر فيها «سأل سائل»
قوله تعالى: كَلاََّ إِنَّهََا لَظىََ، نَزََّاعَةً لِلشَّوىََ، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلََّى [١٧] و هذه استعارة. و المراد بدعائها من أدبر و تولّى-و اللّه أعلم-أنه لما استحقها بإدباره عن الحق صارت كأنها تدعوه إليها، و تسوقه نحوها. و على ذلك قول ذى الرّمة [١] فى صفة الثور:
غدا بوهنين مجتازا لمرتعه # بذي الفوارس تدعو أنفه الرّبب
و الرّبب جمع ربّة، و هى نبت من نبات الصيف.
يقول لما وجد رائحة الربب مضى نحوها فكأنها دعته إلى أكلها. و قد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أنها لا يفوتها ذاهب، و لا يعجزها هارب. فكأنها تدعو الهارب منها فيجيبها، مدّا له بأسبابها، و ردّا له إلى عذابها.
و قال بعض المفسرين: إنه تخرج عنق من النار، فتتناول الكافر حتى تقحمه فيها، فكأنها بذلك الفعل داعية له إلى دخولها.
و قد يجوز أن يكون المراد أنها تدعو من أدبر عن الحق. بمعنى أنها تخوّفه بفظاعة الخبر عنها، و تغليظ الوعيد بها، فكأنها تستعطفه إلى الرشد [٢] ، و تستصرفه عن الغى.
و حكى عن المبرّد أنه قال: تدعو من أدبر و تولّى. أي تعذّبه. و حكى عن الخليل أن أعرابيا قال لآخر: دعاك اللّه. أي عذبك اللّه. و قال ثعلب: معنى دعاك اللّه. أي أماتك اللّه. فعلى هذا القول يدخل الكلام فى باب الحقيقة، و يخرج عن حيز الاستعارة.
[١] هو أبو الحارث غيلان بن عقبة. شاعر فحل اشتهر بالتشبيب و بكاء الأطلال ذاهبا مذهب الجاهلين. توفى بأصبهان سنة ١١٧ هـ.
[٢] كانت بالأصل: (الرتبة) و هى تحريف. فصوبناها على طريق المقابلة مع الغى.