تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٧٦ - و من السورة التي يذكر فيها «الرعد»
و قوله سبحانه: اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثىََ، وَ مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ وَ مََا تَزْدََادُ [٨]. و هذه استعارة عجيبة. لأن حقيقة الغيض إنما يوصف بها الماء دون غيره.
يقال: غاض. الماء و غضته [١] و لكن النطفة لما كانت تسمّى ماء، جاز أن توصف الأرحام بأنها تغيضها فى قرارتها، و تشتمل على نفاعاتها [٢] . فيكون ما غاضته [٣] من ذلك الماء سببا لزيادة، بأن يصير مضغة، ثم علقة ثم خلقة مصوّرة. فذلك معنى قوله: وَ مََا تَزْدََادُ .
و قيل أيضا: معنى مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ . أي ما تنقص بإسقاط العلق، و إخراج الخلق.
و معنى: مََا تَزْدََادُ أي ما تلده لتمام، و تؤدى خلقه على كمال. فيكون الغيض هاهنا عبارة عن النقصان، و الازدياد عبارة عن التمام.
و قوله سبحانه: وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [١٣].
و هذه استعارة. لأن التسبيح فى الأصل تنزيه اللّه سبحانه عن شبه المخلوقات، و تبرئته من مدانس الأعمال، و قبائح الأفعال. و هذا لا يتأتى من الرعد، الذي هو اصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض. فالمراد-و اللّه أعلم-أن أصوات الرعود تقوى بها الدلالة على عظيم قدرة اللّه سبحانه، و بعده عن شبه الخليقة المقدّرة، و صفات البريّة المدبّرة. إذ كان الرعد كما قلنا إنما تغلظ أصواته، و تعظم هزّاته على حسب تعاظم صفحات السحاب الممتدة، و تراكم الغيوم المطبقة. و هى مع هذه الأحوال، من ثقل أجرامها، و تكاثف غمامها معلقة بمناطات الهواء الرقيق، لو لا دعائم القدرة و سماكها، و علائق الجبرية و مساكها لما حمل عشر معشارها، و لا استقل ببعض أجزائها.
[١] غاض الماء: نقص. و غضته أنا أي نقصته..
[٢] النفاعات: جمع نفاعة و هو الشيء الذي ينتفع به.
[٣] فى الأصل ما غضته. و هو تحريف من الناسخ.