تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٠ - الجاحظ و مجازات القرآن
الجاحظ و مجازات القرآن
لعل الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ هو أول من استعمل المجاز فى القرآن بالمعنى المقابل للحقيقة، و هو ذلك المعنى القريب جد القرب مما استعمله البيانيون المتأخرون، و بهذا كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هو أول مصنف عربى استعمل لفظتى المجاز و الاستعارة على نحو يقرب مما قصد بهما عند البلاغيين. فهو لا يريد بكلمة المجاز ذلك المعنى الذي قصده أبو عبيدة بالتفسير، و لكنه يريد ذلك الشيء المقابل للحقيقة. و نراه فى مواطن متفرقة من كتابيه «الحيوان» و «البيان و التبيين» يشير إلى المجاز و الاستعارة إشارات تعد أول ما سجل منهما بالمعنى البياني فى المؤلفات العربية. حتى ليعد الجاحظ بذلك أول رائد للبلاغة العربية بمعناها الاصطلاحي الذي أخذ يتطور على الزمن حتى بلغ قمته على يد السكاكي، و القزويني و غيرهما من أعلام البلاغة الفنية.
و لعل من أوائل اللمع البيانية عند الجاحظ قوله فى «الحيوان» : [باب آخر فى المجاز و التشبيه بالأكل، و هو قول اللّه عز و جل: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامىََ ظُلْماً و قوله تعالى عز اسمه: أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ و قد يقال لهم ذلك، و إن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، و لبسوا الحلل، و ركبوا الدواب، و لم ينفقوا منها درهما واحدا فى سبيل الأكل، و قد قال اللّه عز و جل: إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً و هذا مجاز آخر] [١] .
و لا يكتفى الجاحظ بهذه اللمعة البيانية الواضحة بل يضيف إليها بابا آخر فى مجاز الذوق:
[و هو قول الرجل إذا بالغ فى عقوبة عبده: ذق!و كيف ذقته؟!و كيف وجدت طعمه؟! و قال عز و جل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ .... و قال يزيد بن الصعق:
[١] الحيوان. بتحقيق عبد السلام هارون. جـ ٥ ص ٢٥.