تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٤٧ - و من السورة التي يذكر فيها «نوح» عليه السلام
و من السورة التي يذكر فيها «نوح» عليه السلام
قوله سبحانه: مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً [١٣]و هذه استعارة. لأن الوقار هاهنا وضع وضع الحلم مجازا. يقال: رجل وقور. بمعنى حليم.
فأما حقيقة الوقار الذي هو الرزانة و الثقل فلا يجوز أن يوصف بها القديم سبحانه، لأنها من صفات الأجسام، و إنما يجوز وصفه تعالى بالوقار، على معنى الحلم كما ذكرنا.
و المعنى أنه يؤخر عقاب المذنبين مع الاستحقاق، إمهالا للتوبة، و إنظارا للفيئة و الرجعة.
لأن الحليم فى الشاهد اسم لمن يترك الانتقام عن قدرة. و لا يسمى غير القادر إذا ترك الانتقام حليما، للعلّة التي ذكرناها. و قوله تعالى: لاََ تَرْجُونَ هاهنا أي لا تخافون. فكأنه سبحانه قال: ما لكم لا تخافون للّه حلما؟و إنما أخّر عقوبتكم، إمهالا لكم، و إيجابا للحجة عليكم.
و إلاّ فعقابه من ورائكم، و انتقامه قريب منكم.
و قد جاء فى شعر العرب لفظ الرجاء، و المراد به الخوف. و لا يرد ذلك إلا و فى الكلام حرف نفى. لا يقال: فلان لا يرجو فلانا بمعنى يخافه، بل يقال: فلان لا يرجو فلانا. أي لا يخافه. و قال الهذلي أبو ذؤيب [١] :
إذا لسعته الدّبر [٢] لم يرج لسعها # و حالفها فى بيت نوب عواسل [٣]
أراد: لم يخف لسعها.
[١] أبو ذؤيب الهذلي: تقدمت الإشارة إليه و الترجمة له فى الحديث عن مجازات سورة الزمر.
[٢] الدبر: جماعة النحل و الواحدة دبرة.
[٣] فى الأصل «عوامل» و التصويب عن «ديوان الهذليين» و رواية ابن قتيبة فى «تأويل مشكل القرآن» عوامل بالميم كما فى الأصل. ص ١٤٧.