تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٦٤ - و من السورة التي يذكر فيها «الغاشية»
المفعول، تمييزا له عن غيره من المياه المهراقة، و المائعات المدفوقة. و هذا واضح لمن تأمّله.
و قوله سبحانه: وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلرَّجْعِ، وَ اَلْأَرْضِ ذََاتِ اَلصَّدْعِ [١١، ١٢] و هذه استعارة. و المراد بها صفة السماء بأنها ترجع بدرور [١] الأمطار، و تعاقب الأنواء، مرة بعد مرة، و تعطى الخير حالة بعد حالة.
و قد قيل: إن الرّجع الماء نفسه. و أنشدوا للمتنخل [٢] الهذلي يصف السيف:
أبيض كالرّجع رسوب إذا # ما ثاخ فى محتفل يختلى
و المراد بالأرض ذات الصّدع: انصداعها عن النبات، و تشققها عن الأعشاب. و أنشد صاحب «العين [٣] » لبعض العرب:
و جاءت سلتم لا رجع فيها # و لا صدع فتحتلب الرّعاء
فالرجع: المطر، و الصّدع: العشب، و السّلتم: السنة المجدبة.
و من السورة التي يذكر فيها «الغاشية»
و قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خََاشِعَةٌ، عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ [٢، ٣]و هذه استعارة.
و المراد بالوجوه هاهنا أرباب الوجوه. و مثل ذلك قوله تعالى: فى السورة التي يذكر فيها
[١] درت الأمطار درورا: هطلت.
[٢] هو مالك بن عويمر الهذلي، من أشهر شعراء بنى هذيل. و البيت فى «ديوان الهذليين» جـ ٢ ص ١٢. و الرجع: الغدير فيه ماء المطر. و ثاخ مثل ساخ: أي غاب. و المحتفل: معظم الشيء.
و يختلى: يقطع. و الرسوب: الذي إذا وقع غمض مكانه لسرعة قطعه.
[٣] هو الخليل بن أحمد الفراهيدى إمام اللغة و الأدب و واضع علم العروض، و كان أستاذا لسيبويه النحوي المشهور، ولد فى البصرة و مات بها سنة ١٧٠ هـ و عاش حياته فقيرا صابرا. قال فيه النضر بن شميل:
ما رأى الراءون مثل الخليل، و لا رأى الخليل مثل نفسه. و اشتهر بكتاب «العين» فى اللغة، و هو لا يزال مخطوطا.