تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٢١ - و من السورة التي يذكر فيها «الرحمن» سبحانه
و هما يلتقيان بالمقاربة، لا بالممازجة، }فبينهما حاجز يمنعهما من الانحراق [١] و يصدّهما عن الاختلاط.
و معنى قوله تعالى: لاََ يَبْغِيََانِ أي لا يغلب أحدهما على الآخر، فيقلبه إلى صفته، إمّا الملح على العذب، أو العذب على الملح. و كنى تعالى بلفظ البغي عن غلبة أحدهما على صاحبه. لأن الباغي فى الشاهد اسم لمن تغلّب من طريق الظلم بالقوة و البسطة، و التطاول و السطوة.
و قد مضى الكلام على مثل هذه الاستعارة فيما تقدم. إلاّ أن فيها هاهنا زيادة أوجبت إعادة ذكرها.
و قوله سبحانه: وَ يَبْقىََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [٢٢]و هذه استعارة. و قد تقدم الكلام على نظيرها. و المراد: و تبقى ذات ربّك و حقيقته.
و لو كان الكلام محمولا على ظاهره لكان فاسدا مستحيلا على قولنا و قول المخالفين.
لأنه لا أحد يقول من المشبّهة و المجسّمة، الذين يثبتون للّه سبحانه أبعاضا مؤلفة [٢] ، و أعضاء مصرّفة إنّ وجه اللّه سبحانه يبقى، و سائره يبطل و يفنى. تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
و من الدليل على أن المراد بوجه اللّه هاهنا ذات اللّه قوله سبحانه: ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ أ لا ترى أنه سبحانه لما قال فى خاتمة هذه السورة: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ قال:
ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [٧٨]و لم يقل (ذو) لأن اسم اللّه غير اللّه، و وجه
[١] هكذا بالأصل و لعلها الانجراف أو الإغراق.
[٢] فى الأصل «و مؤلفة» بواو قبل الصفة. و هى زائدة من الناسخ.