تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٤٩ - و من السورة التي يذكر فيها التوبة
و قوله سبحانه: وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوََائِرَ، عَلَيْهِمْ دََائِرَةُ اَلسَّوْءِ [٩٨]. وهد استعارة....... [١] عليهم أيام السوء، لأن الأيام و الشهور قد تسمى دوائر، على طريق الاستعارة. فليس لأنها ترجع بأعيانها، و إنما تعود أشباهها و أمثالها، فشهر كشهر، و يوم كيوم، و ساعة كساعة، و سنة كسنة. يقال دارت السنون، و دارت الشهور على هذا المعنى. إلا أن هذه اللفظة، أعنى الدائرة و الدوائر، قد اختص ذكرها بالمواضع المكروهة. فيقال: دارت عليهم الدوائر، إذا أهلكتهم الأيام، و أفنتهم الأعوام.
و يقال: دارت لهم الدنيا. إذا وصفوا بمواتاة الإقبال، و انتظام الأحوال. فكأنّ التمييز فى الخير أو الشر إنما يقع بقولنا: دارت لهم، و دارت عليهم.
و قوله سبحانه: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلىََ تَقْوىََ مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلىََ شَفََا جُرُفٍ هََارٍ، فَانْهََارَ بِهِ فِي نََارِ جَهَنَّمَ [١٠٩]و هذه استعارة.
و المراد بها ذكر ما بناه المنافقون من مسجد الضرار [٢] ، بعد ما بنى المؤمنون من المسجد المعروف بمسجد قباء [٣] . لأن المؤمنين وضعوا هذا البناء، و هم مؤمنون متقون، عارفون موقنون، فكأنهم وضعوه على قواعد من الإيمان، و أساس من الرضوان. و المنافقون إنما وضعوا ذلك البناء كيدا للمؤمنين، و إرصادا للمسلمين. فكأنهم وضعوه على شفا
[١] هنا سطران ممحوان محوا تاما.
[٢] مسجد الضرار، هو المسجد الذي بناه المنافقون بقباء لإضرار المسلمين و تفريق كلمتهم، و قد سألوا النبي عند رجوعه من تبوك أن يأتى مسجدهم هذا ليصلى فيه، فأنزل اللّه فيه قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرََاراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصََاداً لِمَنْ حََارَبَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنََا إِلاَّ اَلْحُسْنىََ، وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ. لاََ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً . و قد أمر النبي عليه السلام بهدم هذا المسجد الظالم أهله، فحرق و هدم و اتخذ موضعه مكانا للقمامة.
[٣] مسجد قباء هو المسجد الذي أسسه النبي على التقوى من أول يوم نزل فيه قباء، و هى بلدة على بعد ميلين من جنوب المدينة.