تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١١٤ - و من السورة التي يذكر فيها البقرة
لأنه عكس أوصاف الحليم، و ضد طريق الحكيم. و الاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يمدّ لهم كأنه يخليهم و الامتداد فى عمههم و الجماح فى غيهم، إيجابا للحجة، و انتظارا للمراجعة، تشبيها بمن أرخى الطّول للفرس أو الراحلة، ليتنفس خناقها، و يتسع مجالها.
و ربما جعل قوله سبحانه: يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [١] على أنه مستعار فى بعض الأقوال، و هو أن يكون المعنى أنهم يمنّون أنفسهم ألاّ يعاقبوا، و قد علموا أنهم مستحقون للعقاب، فقد أقاموا أنفسهم بذلك مقام المخادعين. و لذلك قال سبحانه:
وَ مََا يَخْدَعُونَ [٢] إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ [٩].
و قوله سبحانه: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدىََ فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ، وَ مََا كََانُوا مُهْتَدِينَ [١٦]و هذه استعارة. و المعنى أنهم استبدلوا الغى بالرشاد، و الكفر بالإيمان، فجسرت صفقتهم، و لم تربح تجارتهم. و إنما أطلق سبحانه على أعمالهم اسم التجارة لما جاء فى أول الكلام بلفظ الشّرى تأليفا لجواهر [٣] النظام، و ملاحمة بين أعضاء الكلام.
و قوله سبحانه: يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ [٢٠]. و هذه استعارة. و المراد يكاد
[١] كان من حق هذه الآية فى الترتيب أن تأتى قبل الآية العاشرة التي سبق الحديث عنها فى قوله تعالى:
(فى قلوبهم مرض إلخ) و لا أدرى أ كان ذلك سهوا من المؤلف رضى اللّه عنه، أم سهوا من الناسخ حيث وضعها فى غير موضعها، و أنزلها فى غير ترتيبها.
[٢] فى الأصل «و ما يخادعون» على أنها قراءة نافع و ابن كثير و أبى عمرو ليتجانس اللفظان فى الموضعين. و قرأ حمزة و الكسائي و عاصم و ابن عامر «يخدعون» كما أثبتناه. و كما نقرؤه فى المصحف الذي بين أيدينا.
[٣] فى الأصل «بجواهر» و هى خطأ فى النسخ.