تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣١١ - و من السورة التي يذكر فيها «ق»
و أحدّ بعد كلال و نبوّ. فهذا معنى قوله سبحانه: فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ .
و قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [٣٠].
و هذه استعارة. لأن الخطاب للنار و الجواب منها فى الحقيقة لا يصحان. و إنما المراد-و اللّه أعلم-أنها فيما ظهر من امتلائها، و بان من اغتصاصها بأهلها، بمنزلة الناطقة بأنه لا مزيد فيها، و لا سعة عندها. و ذلك كقول الشاعر: [١]
امتلأ الحوض و قال قطنى # مهلا رويدا قد ملأت بطني
و لم يكن هناك قول من الحوض على الحقيقة، و لكن المعنى أن ما ظهر من امتلائه فى تلك الحال جار مجرى القول منه، فأقام تعالى الأمر المدرك بالعين، مقام القول المسموع بالأذن.
و قيل: المعنى أنا نقول لخزنة جهنم هذا القول، و يكون الجواب منهم على حدّ الخطاب. و يكون ذلك من قبيل: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [٢] فى إسقاط المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه. و ذلك كقولهم: يا خيل اللّه اركبي. و المراد يا رجال اللّه اركبي.
و على القول الأول يكون مخرج هذا القول لجهنم على طريق التقرير لاستخراج الجواب بظاهر الحال، لا على طريق الاستفهام و الاستعلام. إذ كان اللّه سبحانه قد علم امتلاءها قبل أن يظهر ذلك فيها. و إنما قال سبحانه هذا الكلام ليعلم الخلائق صحة وعده، إذ يقول تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ [٣] . و الوجه
[١] لم أهتد إلى اسم قائل هذا الرجز. و فى «الجامع لأحكام القرآن» جـ ١٧ ص ١٨ لم ينسبه لقائله. بل قال: إنه لشاعر.
[٢] سورة يوسف: الآية رقم ٨٢.
[٣] سورة هود. الآية رقم ١١٩.