تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٧٩ - الشعر و الشعراء فى عصر الشريف
نرى أمثالها عند الصابي صاحب الرسائل، و عند الوزير المهلبي، و عند الوزير الصاحب بن عباد. و إذا كان غيره من الشعراء قد استباحوا لأنفسهم من الذم كل قبيح، فإننا لا نجد للشريف الرضى فى باب الهجاء أقوى من ذم لمغن بارد قبيح الوجه. و هو:
تغثى [١] بمنظره العيون إذا بدا # و تقىء عند غنائه الأسماع
أشهى إلينا من غنائك مسمعا # زجل الضراغم بينهن قراع]
و إذا أخرجنا أبا العلاء المعرى من مجال الموازنة فى العصر الذي عاش فيه الشريف الرضى فإن شاعرنا يحتل أعلى مكان فى النصف الثاني من القرن الرابع، ففي شعره ذلك النفس العربي الكريم، و تلك العزة العربية الغلباء التي انحدرت إليه من أصلاب البيت العلوي، و ذلك المجد و العلا اللذان كثيرا ما دارا فى شعره، حتى ليخيل إلى القارئ أن المعالي كانت دائما على مهامس شفتيه. و هو فوق ذلك و صاف بارع، غزل رقيق الغزل، وفيّ محسن الوفاء، راث مجيد الرثاء.
و هو فوق ذلك كثير الحكمة يسوقها فى شعره سوقا، و يرسلها إرسالا، إلا أن أمثاله و حكمه لم تشتهر شهرة أمثال المتنبي و حكمه، لأن أمثال أبى الطيب فيها من عناصر السيرورة و السهولة ما يجعلها تدور على الألسن كل مدار.
أما أمثال الشريف الرضى و حكمه فكانت تحتاج إلى إعمال الخاطر، و قدح الذهن، و ذلك يتجافى و انتشار الأمثال.
[١] فى الأصل «تغفى» و هو تحريف، صوابه ما أثبتناه.