تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٢ - و من السورة التي يذكر فيها موسى عليه السلام و هى «طه»
و معناه: لقد علم الأيقاظ عيونا. فجعل العين للنوم فى أنها مشتملة عليه، كالخفاء للقربة فى أنه مشتمل عليها.
و قول الشاعر: أخفية الكرى من الاستعارات العجيبة، و البدائع الغريبة. و قوله:
تزجّجها من حالك و اكتحالها. يعود على العيون. كأنه قال: تزجّج العيون و اكتحالها من سواد الليل. و هذا لا يكون إلا مع السهر و امتناع النوم، لأن العيون حينئذ بانفتاحها تكون كالمباشرة لسواد الظلماء، فيكون كالكحل لها.
و التزجّج: اسوداد العينين من الكحل. يقال: زجّجت [١] المرأة عينها و حاجبها.
إذا سودتهما بالإثمد.
و على التأويل الآخر يبعد الكلام عن طريق الاستعارة. و هو أن يكون أكاد هاهنا بمعنى أريد، كما قلنا فيما مضى [٢] . و من الشواهد على ذلك قول الشاعر:
أ منخرم شعبان لم تقض حاجة # من الحاج كنا فى الأصم [٣] نكيدها
أي كنا نريدها فى رجب. و يكون «أخفيها» على موضوعه من غير أن يعكس عن وجهه. و يكون المعنى: إن الساعة آتية أريد أستر وقت مجيئها، لما فى ذلك من المصلحة. لأنه إذا كان المراد بإقامتها المجازاة على الأفعال، و المؤاخذة بالأعمال، كانت
[١] و منه قول الشاعر الراعي النميري:
إذا ما الغانيات برزن يوما*و زججن الحواجب و العيونا و هذا البيت من شواهد النحو فى باب المفعول معه. انظر «أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك» الشاهد ٢٥٩.
[٢] فى الآية رقم ٧٧ من سورة الكهف.
[٣] الأصم: شهر رجب. و سمى بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت السلاح لكونه شهرا حراما.
انظر لسان العرب. و قال الخليل: إنما سمى بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث، و لا حركة قتال، و لا قعقعة سلاح، لأنه من الأشهر الحرم.