تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٤ - و من السورة التي يذكر فيها موسى عليه السلام و هى «طه»
و قوله سبحانه: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي [٢٧]، [٢٨] و هذه استعارة. و المراد بها إزالة لفف [١] كان فى لسانه، فعبر عنه بالعقدة. و عبر عن مسألة إزالته بحل العقدة، ملاءمة بين النظام، و مناسبة بين الكلام.
و قد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك إزالة التقية عن لسانه و كفايته سطوة فرعون و غواته، حتى يؤدى عن اللّه سبحانه آمنا، و يقول متمكنا، فلا يكون معقود اللسان بالتقية، و معكوم الفم بالخوف و المراقبة. و ذلك كقول القائل: لسان فلان معقود: إذا كان خائفا من الكلام. و لسان فلان منطلق: إذا كان مقداما على المقال.
و قوله سبحانه: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلىََ عَيْنِي [٣٩]. و فى هذه الآية استعارتان. إحداهما قوله سبحانه: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و ليس المراد أن هناك شيئا يلقى عليه فى الحقيقة، و لكن المعنى أننى جعلتك بحيث لا يراك أحد إلا أحبك، و مال قلبه نحوك، حتى أحبك فرعون و امرأته، فتبنّياك و ربّياك، و استرضعا لك، و كفلاك. و هذا كقول القائل: على وجه فلان قبول. و ليس هناك على الحقيقة شىء يوما إليه. إلا أن كل ناظر ينظر إليه يقبله، قلبه و تسر به نفسه.
و الاستعارة الأخرى قوله سبحانه: وَ لِتُصْنَعَ عَلىََ عَيْنِي و المراد بذلك-و اللّه أعلم-أن تتربى بحيث أرعاك و أراك. و ليس أن هاهنا شيئا يغيب عن رؤية اللّه سبحانه، و لكن هذا الكلام يفيد الاختصاص بشدة الرعاية، و فرط الحفظ و الكلاءة [٢] . و لما كان الحافظ للشيء فى الأغلب يديم مراعاته بعينه، جاء تعالى باسم العين بدلا من ذكر الحفظ و الحراسة، على طريق المجاز و الاستعارة.
[١] اللفف: التواء عصب فى اللسان يعطله عن الكلام.
[٢] فى الأصل «و الكلاية» و الصواب همزها.