تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٣ - و من السورة التي يذكر فيها موسى عليه السلام و هى «طه»
الحكمة فى إخفاء وقتها، ليكون الخلق فى كل حين و زمان على حذر من مجيئها، و وجل من بغتتها [١] ، فيستعدوا قبل حلولها، و يمهدوا قبل نزولها.
و يقوى ذلك قوله سبحانه: لِتُجْزىََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعىََ [١٥].
و قوله سبحانه: قََالَ خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ، سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولىََ [٢١]و هذه استعارة. لأن المراد بالسيرة هاهنا الطريقة و العادة. و أصل السيرة مضىّ الإنسان فى تدبير بعض الأمور على طريقة حسنة أو قبيحة. يقال: سار فلان الأمير فينا سيرة جميلة. و سار بنا سيرة قبيحة. و لكن موسى عليه السلام لما كان يصرف عصاه-قبل أن تنقلب [٢]
حية-فى أشياء من مصالحه، كما حكى سبحانه عنه بقوله: هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا، وَ أَهُشُّ بِهََا عَلىََ غَنَمِي [٣] وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرىََ (١٨) ثم قلبت حية، جاز أن يقول تعالى: سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولىََ أي إلى الحال التي كنت تصرفها معها فى المصالح المذكورة، لأن تصرفها فى تلك الوجوه كالسيرة لها، و الطريقة المعروفة منها.
و المراد: سنعيدها إلى سيرتها الأولى. فانتصبت السيرة بإسقاط الجار [٤] .
و قوله سبحانه: وَ اُضْمُمْ يَدَكَ إِلىََ جَنََاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [٢٢]و هذه استعارة. و المراد بها-و اللّه أعلم-و أدخل يدك فى قميصك مما يلى إحدى جهتى يديك.
و سميت تلك الجهتان جناحين، لأنهما فى موضع الجناحين من الطائر. و يوضح عما ذكرنا قوله سبحانه فى مكان آخر: وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [٥]
و الجيب فى جهة إحدى اليدين.
[١] فى الأصل: بعثتها، و هو تحريف من الناسخ.
[٢] فى الأصل: (تعلب) و هى تحريف.
[٣] سورة طه. الآية رقم ١٨.
[٤] إذا نزع الخافض، أو سقط الجار انتصب الاسم بعده بدلا من جره.
[٥] سورة النمل. الآية رقم ١٢.