تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٤٤ - و من السور التي يذكر فيها «الحاقة»
و المراد بها قريب من المراد بالاستعارتين الأوليين [١] ، و هو تشبيه للماء فى طموّ أمواجه، و ارتفاع أثباجه بحال الرجل الطاغي، الذي علا متجبرا، و شمخ متكبرا.
و قال بعضهم: معنى طغى الماء أي كثر على خزّانه، فلم يضبطوا مقدار ما خرج منه كثرة، لأن للماء خزنة، و للرياح خزنة من الملائكة عليهم السلام، يخرجون منهما على قدر ما يراه اللّه سبحانه من مصالح العباد، و منافع البلاد، على ما وردت به الآثار.
و قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ [٢١]و هذه استعارة. و كان الوجه أن يقال: فى عيشة مرضيّة. و لكن المعنى خرج على مخرج قولهم: شعر شاعر، و ليل ساهر.
إذا شعر فى ذلك الشعر و سهر فى ذلك الليل، فكأنهما وصفا بما يكون فيهما، لا بما يكون منهما. فبان أنّ تلك العيشة لما كانت بحيث يرضى الإنسان فيها حاله جاز أن توصف هى بالرضا. فيقال راضية. على المعنى الذي أشرنا إليه. و على ذلك قول أوس بن حجر [٢] .
جدلت على ليلة ساهرة # بصحراء شرج إلى ناظره [٣]
وصف الليلة بصفة الساهر فيها، و ظاهر الصفة أنها لها.
و قال بعضهم: إنما قال تعالى: فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ لأنها فى معنى: ذات رضى، كما قيل: لابن، و تامر. أي ذو لبن، و تمر.
و كما قالوا لذى الدّرع: دارع، و لذى النّبل: نابل، و لصاحب الفرس: فارس. و إنما
[١] فى الأصل «الأولتين» و هو تحريف شنيع من الناسخ.
[٢] هو أوس بن حجر بن مالك التميمي، كان شاعر تميم فى الجاهلية، و عمر طويلا، و لم يدرك الإسلام. و فى شعره رقة و حكمة. و هو صاحب الأبيات المشهورة التي أولها:
أيتها النفس أجملى جزعا*إن الذي تحذرين قد وقعا
[٣] البيت فى «الأغانى» جـ ١١ ص ٧٢. و فى مخطوطتنا هذه «حدلت» بالحاء المهملة، و فى أصول «الأغانى» خذلت بالخاء و الذال المعجمتين. و جدلت: صرعت. و شرج، و ناظرة: اسما مكان بأرض بنى أسد.