تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٠٠ - و من السورة التي يذكر فيها «بنو إسرائيل»
و قوله سبحانه: وَ اِخْفِضْ لَهُمََا جَنََاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ [٢٤]. و هذه استعارة عجيبة، و عبارة شريفة. و المراد بذلك: الإخبات للوالدين، و إلانة القول لهما، و الرفق و اللطف بهما.
و خفض الجناح فى كلامهم عبارة عن الخضوع و التذلل، و هما ضد العلو و التعزز.
إذ كان الطائر إنما يخفض جناحه إذا ترك الطيران، و الطيران هو العلوّ و الارتفاع. و قد يستعار ذلك لفرط الغضب و الاستشاطة [١] . فيقال: قد طار فلان طيرة [٢] . إذا غضب و استشاط. و قد أومأنا إلى هذا المعنى فيما تقدم من هذا الكتاب.
و إنما قال سبحانه: وَ اِخْفِضْ لَهُمََا جَنََاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ [٢٤]. ليبين تعالى أن سبب الذل لهما الرأفة و الرحمة، لئلا يقدر أنه الهوان و الضراعة. و هذا من الأغراض الشريفة، و الأسرار اللطيفة.
و قوله سبحانه: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىََ عُنُقِكَ، وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ [٢٩]و هذه استعارة. و ليس المراد بها اليد التي هى الجارحة على الحقيقة، و إنما الكلام الأول كناية عن التقتير، و الكلام الآخر كناية عن التبذير و كلاهما مذموم، حتى يقف كل منهما عند حده، و لا يجرى إلا إلى أمده. و قد فسّر هذا قوله سبحانه: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا، وَ لَمْ يَقْتُرُوا، وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً [٣] .
[١] فى الأصل «الاستشاط» و هو تحريف من الناسخ. لأن الفعل استشاط، و المصدر استشاطة.
مثل استقام استقامة.
[٢] فى الأصل «طيره» بالهاء و هو تحريف. و الصواب بالتاء المربوطة المنقوطة.
[٣] سورة الفرقان. الآية رقم ٦٧.