تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٩٩ - و من السورة التي يذكر فيها «بنو إسرائيل»
جعلناها مكشوفة القناع مبينة الإبصار، على خلاف آية الليل إذ جعلناها مشرجة [١]
الغلاف، بهيمة الأطراف.
و الوجه الآخر أن يكون معنى مبصرة أي يبصر الناس فيها، و يهتدون بها كما تقدم قولنا فى قولهم: نهار صائم، و ليل نائم. أي أهل هذا صيام، و أهل هذا نيام. و كما يقولون: رجل مخبث. إذا كان أهله و ولده خبثاء. و رجل مضعف. إذا كانت دوابه و ظهوره ضعفاء. فعلى هذا يسمى النهار مبصرا، إذا كان أهله بصراء. و قد مضى الكلام على مثل ذلك فيما تقدم.
و قوله سبحانه: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [١٣]و هذه استعارة.
و المراد بالطائر هاهنا-و اللّه أعلم-ما يعمله الإنسان من خير و شر، و نفع و ضر. و ذلك مأخوذ من زجر الطير على مذاهب العرب. لأنهم يتبركون بالطائر المتعرض من ذات اليمين، و يتشاءمون بالطائر المتعرض من ذات الشمال.
و معنى ذلك أنه سبحانه يجعل عمل الإنسان من الخير و الشر كالطوق فى عنقه بإلزامه إياه، و الحكم عليه به. و قال بعضهم: معنى ذلك أنا جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه على ما بيّناه له، و هديناه إليه. و العرب تقيم العنق و الرقبة مقام الإنسان نفسه. فيقولون:
لى فى رقبة فلان دم، و لى فى رقبته دين. أي عنده. و فلان أعتق رقبة. إذا أعتق عبدا أو أمة. و يقول الداعي فى دعائه: اللهم أعتق رقبتى من النار. و ليس يريد العنق المخصوصة، و إنما يريد الذات و الجملة.
و جعل سبحانه الطائر مكان الدليل الذي يستدل به على استحقاق الثواب و العقاب، على عادة العرب التي ذكرناها فى التبرك بالسانح، و التشاؤم بالبارح.
[١] أشرج الشيء: ضم بعضه إلى بعض و أحكم شده.