تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٦ - و من السورة التي يذكر فيها موسى عليه السلام و هى «طه»
كلّ [١] ما تزاح به عللهم، و يتكامل معه خلقهم، من سلامة الأعضاء، و اعتدال الأجزاء، و ترتيب المشاعر و الحواس، و مواقع الأسماع و الأبصار، ثم هداهم من بعد لمصالحهم، و دلهم على مناكحهم، و أجراهم فى مضمار التكليف إلى غاياتهم.
و قوله سبحانه: الّذى جعل لكم الأرض مهادا [٢] [٥٣]و قد قرئ مهدا. و هذه استعارة. و المراد بها تشبيه الأرض بالمهاد المفترش، ليمكن الاستقرار عليها، و التقلب فيها. و قد مضى نظير هذه الاستعارة فيما تقدم. و معنى المهاد و المهد واحد. و هو مثل الفرش و الفراش. إلا أن المهد ربما استعمل فى رسم الآلة التي يجعل فيها الصبى الصغير ليحفظه، و هو يؤول إلى معنى الفراش. و المهد أيضا: مصدر مهد، يمهد، مهدا. إذا مكّن موضعا لقدمه، و مضجعا لجنبه.
و قوله سبحانه: وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ، وَ قَدْ خََابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [١١١]و هذه استعارة. و المراد بها ما يظهر فى الوجوه يوم القيامة من آثار الضرع، و أعلام الجزع. و ذلك مأخوذ من تسميتهم الأسير «العاني» . و منه ما جاء فى بعض الكلام: النساء عوان عند أزواجهن. أي أسراء فى أيدى الأزواج. و على ذلك قول القائل: هذه المرأة فى حبال فلان. لأنه بما عقده من نكاحها كالآسر [٣] لها، و المالك [٤]
لرقها. فكأن الوجوه خضعت من خشية اللّه تعالى خضوع الأسير الذليل، فى يد الآسر العزيز.
[١] كتبها الناسخ «كلما» موصولة، و لا محل للوصول هنا. فإن كل مضافة إلى ما التي بمعنى الذي.
[٢] قرأ الكوفيون هنا و فى سورة الزخرف: مهدا، أي كالمهد. و قرأ الباقون: مهادا و هو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد. انظر «أنوار التنزيل و أسرار التأويل» للبيضاوى جـ ٤ ص ٢٤.
[٣] فى الأصل: (كالأسر) و هو تحريف من الناسخ.
[٤] فى الأصل: (و الملك) و هو تحريف أيضا.