تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٨ - و من السورة التي يذكر فيها «الأنبياء عليهم السلام»
و قيل معنى: حَتََّى [١] جَعَلْنََاهُمْ حَصِيداً أي سلطنا عليهم السيف يختليهم كما تختلى الزروع بالمنجل. و قد جاء فى الكلام: جعله اللّه حصيد سيفك، و أسير خوفك.
و قوله سبحانه: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبََاطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذََا هُوَ زََاهِقٌ، وَ لَكُمُ اَلْوَيْلُ مِمََّا تَصِفُونَ [١٨]. و هذه استعارة. لأن حقيقة القذف من صفات الأشياء الثقيلة، التي يرجم بها، كالحجارة و غيرها. فجعل-سبحانه-إيراد الحق على الباطل بمنزلة الحجر الثقيل، الذي يرضّ ما صكّه، و يدمغ ما مسّه. و لما بدأ تعالى بذكر قذف الحق على الباطل وفّى الاستعارة حقها، و أعطاها واجبها، فقال سبحانه:
فَيَدْمَغُهُ و لم يقل فيذهبه و يبطله. لأن الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال، و على طريق الغلبة و الاستعلاء. فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه. و الدماغ مقتل. و لذلك قال سبحانه من بعد: فَإِذََا هُوَ زََاهِقٌ و الزاهق: الهالك.
و قوله سبحانه: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ كََانَتََا رَتْقاً فَفَتَقْنََاهُمََا [٣٠]. و هذه استعارة. لأن الرّتق هو سد خصاصة [٢] الشيء، و يقال:
رتق فلان الفتق. إذا سدّه. و منه قيل للمرأة: رتقاء. إذا كان موضع مرّها من الذّكر ملتحما. و أصل ذلك مأخوذ من قولهم: رتق فتق الخباء و الفسطاط و ما يجرى مجراهما. إذا خاطه. فكأن السموات و الأرض كانتا كالشيء المخيط الملتصق بعضه ببعض، ففتقهما سبحانه، بأن صدع ما بينهما بالهواء الرقيق، و الجو الفسيح.
[١] فى الأصل: (فجعلناهم) و هو تحريف من الناسخ. لأن الآية التي يبين المؤلف المجاز فيها هى قوله تعالى: «فَمََا زََاَلَتْ تِلْكَ دَعْوََاهُمْ حَتََّى جَعَلْنََاهُمْ حَصِيداً خََامِدِينَ» .
[٢] فى الأصل «حصاصه» بدون نقط.