تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٩ - و من السورة التي يذكر فيها «الأنبياء عليهم السلام»
و روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب-صلوات اللّه عليه و آله-معنى أن السموات كانت لا تمطر، و الأرض لا تنبت. ففتق اللّه سبحانه السماء بالأمطار، و الأرض بالنبات [١] .
و قوله سبحانه: وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [٣٢]و هذه استعارة. لأن حقيقة السقف ما أظلّ الإنسان، من علو بيت أو خباء، أو ما يجرى مجرى ذلك. فلما كانت السماء تظل من تحتها، و تعلو على أرضها، حسن أن تسمّى [٢] سقفا لذلك. و معنى محفوظا: أي تحفظ [٣] مما لا يمكن أن تحفظ من مثله سائر السقوف، من الانفراج و الانهدام و التشعث و الاسترمام. و قد قيل: معنى ذلك حفظ السماء من مسارق السمع، و تحصينها بمقاذف الشهب.
و قوله سبحانه: وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ، وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٣٣]. و هذه استعارة. لأن أصل السبح هو التقلب و الانتشار فى الأرض.
و منه السباحة فى الماء. و لا يكون ذلك إلا من حيوان يتصرف. و لكن اللّه سبحانه لما جعل الليل و النهار و الشمس و القمر مسخرة للتقلب فى هذا الفلك الدائر و الصفيح السائر، تتعاقب فيه و تتغاير، و تتقارب و تتباعد، حسن أن يعبّر عنها بما يعبر به عن الحيوان المتصرف، و زيدت على ذلك شيئا، فعبر عنها بالعبارة عن الحيوان المميز. فقيل: يسبحون، و لم يقل:
تسبح، لأنها فى الجري على الترتيب المتقن و التقدير المحكم أقوى تصرفا من الحيوان غير المميز. و لأن اللّه سبحانه أضاف إليها الفعل على تدبير ما يعقل، فحسن أن يعبر عنها بالعبارة
[١] نسب الشريف الرضى هذا الكلام للإمام على بن أبى طالب. و هذا التفسير منسوب لابن عباس رضى اللّه عنه، كما ذكرنا ذلك فى مقدمة الكتاب، و انظر «مناهل العرفان فى علوم القرآن» للزرقانى جـ ١ ص ٤٨٣. و رواية الإمام السيوطي فى «الإتقان» تؤيد قولنا، انظر ص ١٨٧ جـ ٢ من كتاب «الإتقان فى علوم القرآن» للسيوطى.
[٢] فى الأصل: يسمى بالياء و هو تحريف.
[٣] فى الأصل: (يحفظ) بالياء و هو تحريف.