تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٠٩ - و من السورة التي يذكر فيها «الكهف»
و قوله سبحانه: فَأْوُوا إِلَى اَلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [١٦]. و فى هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله تعالى: يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ و الرحمة هاهنا بمعنى النعمة. و لم يكن هناك مطوى فينشر، و لا مكنون فيظهر. و إنما المراد بذلك: يسبغ اللّه عليكم نعمته، على وجه الظهور و الشياع، دون الإخفاء و الإسرار. فيكون ذلك كنشر الثوب المطوى و إظهار الشيء الخفي، فى شياع الأمر، و انتشار الذكر. و الاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [١٦]. و أصل المرفق ما ارتفق به. و هو مأخوذ من المرفقة. و هى التي يرتفق عليها، أي يعتمد عليها بالمرفق.
و يقال مرفق، و مرفق بمعنى واحد. و قد قرئ بهما جميعا بمعنى واحد. فكأنه قال:
يهيئ لكم من أمركم ما تعتمدون عليه و تستندون إليه، و يكون لظهوركم عمادا، و لأعضادكم سنادا.
و قوله سبحانه: وَ تَرَى اَلشَّمْسَ إِذََا طَلَعَتْ تَزََاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذََاتَ اَلْيَمِينِ، وَ إِذََا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذََاتَ اَلشِّمََالِ، وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [١٧]. و فى هذه الآية استعارتان: أولاهما قوله تعالى فى ذكر الشمس: تَزََاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذََاتَ اَلْيَمِينِ لأن التزاور أصله الميل، و هو مأخوذ من الزّور، و هو الصدر. فكأنه سبحانه قال: إن الشمس تميل عن هذا الموضع، كما يميل المتزاور عن الشيء بصدره و وجهه. و يبين بذلك عن موضع الكهف المشار إليه من جهات المشرق و المغرب أن الشمس لا يلحقه ثوبها عند الشروق، و لا ينفض عليه [١] ... آخر الغروب.
[١] هنا لفظة غير واضحة بالأصل.