تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢١٠ - و من السورة التي يذكر فيها «الكهف»
و الاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَ إِذََا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذََاتَ اَلشِّمََالِ . و فى ذلك قولان: أحدهما أن يكون المراد أنها تقرضهم فى ذات الشمال، أي أنها تجوزهم عادلة بمطرح شعاعها عنهم. من قولهم: قرضت الشيء بالمقراض. إذا قطعته به. و المقراض متجاوز لأجزائه أولا حتى ينتهى إلى آخره. و القول الثاني: أن يكون المراد أنها تعطيهم القليل من شعاعها عند مرها بهم، ثم تسترجعه عند انصرافها عنهم. تشبيها بقرض المال الذي يعطيه المعطى ليستردّه، و يقدمه ليرتجعه. و معنى قرض المال أيضا مأخوذ من القطع، لأن المقرض يعطى للمقترض شقة من ماله، و قطعة من حاله.
و قوله سبحانه: وَ كَذََلِكَ أَعْثَرْنََا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ [٢١].
و هذه استعارة. و المراد-و اللّه أعلم-و كذلك أطلعنا عليهم. إلا أن فى لفظ الإعثار فائدة، و هى مصادفة الشيء عن غير طلب له و لا إحساس به، و هو «أفعلنا» من الإعثار.
و أصله أن الساعي فى طريقه إذا صدّ قدمه، أو نكب إصبعه شىء، ففي الأغلب أنه يقف عليه متأملا له، و ناظرا إليه. فكأنه استفاد علم ذلك من غير أن تتقدم معرفته به. و من ذلك قول القائل لغيره: لأعثرنّ عليك بخطيئة فأعاقبك. أي لأقفن على ذلك منك.
و على هذا قوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ عَلىََ أَنَّهُمَا اِسْتَحَقََّا إِثْماً [١] . أي اطّلع على ذلك منهما، و استفيد العلم به من باطن أمرهما.
و قوله سبحانه: وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ [٢٢].
و هذه استعارة لأن الرجم هاهنا هو القذف بالظن، و القول بغير علم. و من عادة
[١] سورة المائدة. الآية رقم ١٠٧.