بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٦ - الجهة الثالثة
أنّ الصيغة باعتبارها تحريكا تشريعيا يوازي التحريك التكويني، فخواصه تنعكس على الصيغة، و من جملتها الفورية، إذن فالمتعيّن، الاحتمال الثالث، و هو أنه إذا لم يأت فورا، يبقى الأمر يستدعيه فورا ففورا، لأن هذا هو مقتضى الموازنة بين الدفعين فإن التحريك التكويني إذا لم يؤثر أثره و استمر التحريك، فلا محالة يستدعي بقاء الفورية فورا ففورا، و لكن التحريك التكويني قد يتوقف برفع اليد عن المحرّك.
و معنى هذا أنه إذا لم نستفد بالقرائن المكتنفة للخطاب بقاء الطلب أصلا و احتملنا سقوطه فالمتعين الاحتمال الأول.
نعم يمكن أن نثبت بقاء التحريك التشريعي بمقتضى إطلاق المادة، حيث لا موجب لتقييدها، فإذا أثبتنا التحريك التشريعي، تبعه لوازمه من السرعة في التحريك فيتعين الاحتمال الثالث.
و أمّا إذا كان مدرك الفورية هو آية المسارعة و الاستباق، فلا إشكال في سقوط الاحتمال الأول، و ذلك لأن الفورية هنا لم تؤخذ قيدا في الأمر الأول، و إنما أمر بها بأمر آخر، و هذا الدليل الآخر ليس لسانه لسان الشرطية، بل لسان جعل مستقل، فيتحصل من خطاب ( «صلّ») مع خطاب «سارعوا و استبقوا» وجوبان أولهما وجوب الصلاة، و ثانيهما وجوب الفورية، فإذا لم يأت بالصلاة فورا، سقط الوجوب الثاني دون أصل وجوب الصلاة، و إذا سقط الاحتمال الأول، يدور الأمر بين الاحتمال الثاني و الثالث، و حينئذ يرجع إلى دليل الفورية المفترض و هو الآيتان و توضيحه:
إنّ الإسراع إلى الخير، هل ينحصر مصداقه بخصوص المبادرة المطلقة التي تتحقق بإيجاد الصلاة في أول وقتها؟.
أو أنّ الإسراع إلى الخير يتحقق بالمبادرة، بمعنى الإتيان بفرد كان بالإمكان أن يستبدل بما بعده، فكل من أتى بفرد و كان يمكن أن يتأخر مقدارا «ما»، فقد سارع، بحيث لو أتى بالفعل قبل انتهاء الوقت بساعة، فيصدق عليه