بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧٧ - المقام الأول، في الإطلاق اللفظي
التقريب الأول، هو أن يقال، بأن قصد الأمر و إن كان لا يعقل أخذه في متعلق الأمر ثبوتا، و لكن قد سبق و قلنا بأن أخذه قيدا إثباتا أمر معقول و صحيح، بمعنى أن القيدية الإثباتية بنفسها تكون بيانا عرفا لتلك النكتة الغامضة المجملة ارتكازا في أذهان الناس.
و هذه النكتة هي أن الأمر التعبدي أمر تجدّدي، فإن هذه التجدّدية للأمر التعبدي تحتاج إلى قرينة، و البيان العرفي لهذه القرينة هو عبارة عن لسان التقييد على ما أوضحناه سابقا.
فبناء على هذا، أيضا يمكن التمسك بالإطلاق و مقدمات الحكمة، لأن تقييد متعلّق الأمر بقصد القربة ثبوتا و لبا و إن كان مستحيلا، و لكنّ تقييده إثباتا و بيانا ليس أمرا مستحيلا، و من هنا يجري العرف مقدّمات الحكمة أيضا و يقول، لو كان الأمر تعبديا لبيّنه بلسان المقيّد- بقصد الأمر-، و حيث لم يبيّنه بلسان «صلّ بقصد الأمر»، بل قال «صلّ» من دون أن يقيّد بشيء، فيستكشف من ذلك، أن الأمر توصلي لا تعبّدي.
التقريب الثاني، بناء على مسلكنا، هو أنه لو تنزّلنا عن هذه الدعوى التي ادّعيناها، من أن التقييد الإثباتي هو بيان عرفي للتجدّد، و فرضنا أن الإنسان العرفي ملتفت تفصيلا إلى حاق المطلب، و هو أن الأمر التعبدي أمر تجددي، و الأمر التوصلي أمر غير تجدّدي، فأيضا يتمسك بالإطلاق لنفي التجدّدية، و ذلك لأن التجدّدية بنفسها عناية زائدة لا يفي بإثباتها الإطلاق، لأن مرجع الأمر التعبدي إلى اشتمال الخطاب على أوامر متعددة متعاقبة.
و من الواضح أن الخطاب المشتمل على أمر بالفعل، ظاهره الأمر الواحد المتعلّق بصرف الوجود و لا يفي ببيان أوامر متعددة، فأيضا فيه، تجري مقدمات الحكمة و يقال، أنه لو كان الأمر تعبديا إذن لما كان الخطاب وافيا ببيانه، لأن هذا الخطاب لا يفي ببيان التجدّد و التكثر في الأمر، إذن فبإجراء مقدمات الحكمة و بأصالة المطابقة بين مقام الإثبات و مقام الثبوت ننفي اشتمال