الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٧٨ - الأزهر و تجديد مبانيه
أنفس المكتبات في العالم، بما فيها من المخطوطات النادرة، و المجلدات التي تبلغ زهاء مائة ألف مجلد .. فلنغادر الآن هذه الزيادات، و لنعبر «الصحن» في خط مستقيم، و لندخل المقصورة نجتازها إلى المحراب ... هنالك سنشعر بشيء من الدهشة، إذ نجد المحراب غير مستند إلى جدار القبلة كما هو شأن المحاريب، بل نراه منعزلا تمام العزلة في وسط المصلى؛ و نلاحظ فوق ذلك أن الأرض التي تمتد من خلف هذا المحراب، و التي تكاد تعادل مساحة الأرض التي أمامه، مرتفعة عن هذه بحيث يصعد اليها بدرجتين؛ و نرى أخيرا أن هناك محرابا ثانيا مستندا كالعادة إلى الجدار الجنوبي الشرقي الذي هو جدار القبلة.
غير أن هذه الدهشة ستزايلنا متى عرفنا أن هذا الإيوان المرتفع قليلا، و المحراب الذي عليه، المتصل بالجدار، و كذلك البابان اللذان في هذا الجدار، و المنارتان المقامتان فوقهما، كل هذه زيادات جديدة في المقصورة أضيفت إليها أخيرا على يد الأمير [١] عبد الرحمن كتخدا في سنة ١١٦٧ ه (١٧٥٣ م). و من السهل حينئذ أن نعرف إلى أي حد بلغ ورع هذا الأمير و تقواه في المحافظة على تراث سلفه الصالح، و عدم الجرأة على تغيير شيء من معالمه بغير ضرورة مادية .. و هذا هو ما يسمى في لغة العصر الحاضر: احترام الماضي و صيانة آثار القدماء.
و قبل أن نتأهب للإنصراف من هذه المقصورة يجمل بنا أن نقترب من جدارها الشمالي الشرقي ... فسنجد فيه بابا صغيرا ننفذ منه إلى مبنى جميل أقامه الأمير جوهر قانقباي المتوفى سنة ٨٤٤ ه (١٤٤٠ م). لقد بناه هذا الأمير ليكون مدرسة صغيرة، و لكنه جمع فيها كل عناصر المسجد الكبير مع جمال التنسيق و دقة الفن. و فيها قبة تقوم على قبر بانيها.
[١] إلى هذا الأمير يرجع الفضل أيضا في بناء الباب الكثير الذي في المدخل على الميدان، و في تجديد واجهته اليمنى، و هي جدار المدرسة الطيبرسية.