الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٦٩ - الأزهر جامع الدولة الرسمي
القوم إلى القصر و قد فرشت أروقته بالحصر بدل البسط، فيجدون صاحب الباب في انتظارهم فيجلس القاضي و الداعي إلى جانبه و الناس على اختلاف مراتبهم، و يقرأ القراء و ينشد المنشدون على النحو السابق. ثم يمد في القاعة سماط الحزن عند الظهر، و ليس فيه سوى العدس و الألبان و الأجبان الساذجة و الأعسال النحل و الخبز الأسمر، و يدخل من شاء لتناول الطعام فإذا انتهى القوم انصرفوا إلى دورهم. و يعم الحزن و النواح القاهرة في ذلك اليوم، و تعطل الأسواق و يعتكف الناس حتى العصر، ثم تفتح الأسواق و تسترد العاصمة شيئا من نشاطها و مظهرها العادي [١].
و في ليالي الوقود الأربع، و هي ليلة أول رجب، و ليلة نصفه، و ليلة أول شعبان و ليلة نصفه، كان الخليفة يقصد مساء إلى منظرة الجامع الأزهر، و كانت بجواره من الجهة القبلية و تشرف عليه و يجلس الخليفة في هذه المنظرة و معه حرمه، و ذلك لمشاهدة الزينات المضيئة و الاحتفالات الفخمة التي كانت تقام في تلك الليالي الشهيرة [٢]. و إليك وصف المسبحى لبعض هذه الليالي. قال في حوادث شهر رجب سنة ٣٨٠ ه «و فيه خرج الناس في لياليه على رسمهم في ليالي الجمع و ليلة النصف إلى جامع القاهرة (يعني الجامع الأزهر) عوضا عن القرافة، و زيد فيه في الوقيد على حافات الجامع، و حول صحنه التنانير و القناديل و الشمع على الرسم في كل سنة، و الأطعمة و الحلوى و البخور في مجامر الذهب و الفضة و طيف بها، و حضر القاضي محمد بن النعمان ليلة النصف بالمقصورة و معه شهوده و وجوه البلد، و قدمت إليه سلال الحلوى و الطعام و جلس بين يديه القراء و غيرهم و المنشدون و الناحة و أقام إلى نصف الليل، و انصرف إلى داره بعد أن قدم إلى من معه أطعمة من عنده و بخرهم»، و قال في حوادث شعبان من نفس السنة «و في ليلة النصف من شعبان كان للناس جمع عظيم بجامع القاهرة من الفقهاء و القراء و المنشدين و حضر
[١] راجع خطط المقريزي ج ٢ ص ٢٨٩- ٢٩١، و النجوم الزاهرة ج ٥ ص ١٥٣- ١٥٤.
[٢] الخطط ج ٢ ص ١٨١ و ٣٤٥