الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٧٠ - الأزهر جامع الدولة الرسمي
القاضي محمد بن النعمان في جميع شهوده و وجوه البلد و وقد التنانير و المصابيح على سطح الجامع و دور صحنه، و وضع الشمع على المقصورة و في مجالس العلماء، و حمل إليهم العزيز باللّه الأطعمة و الحلوى، و البخور فكان جمعا عظيما» [١].
و هكذا كانت ليالي الوقود من المناسبات العامة التي يتبوأ فيها الجامع الأزهر مكانة خاصة، فيخرج الناس إليه من كل فج، و يبدو فيها المسجد الشهير كأنه شعلة من النور و تضاء في جوانبه و على حافاته المشاعل و الواقدات الساطعة، و يعقد في صحنه مجلس حافل من القضاة و العلماء برياسة قاضي القضاة، و يبعث الخليفة إليهم بسلال من الأطعمة و الحلوى الفاخرة، و تضاء جميع المساجد الأخرى و تبدو العاصمة الفاطمية كلها في حلل بديعة من الأنوار الساطعة.
هذا و قد وصف مؤرخو الدولة الفاطمية أيضا الموكب الرسمي الذي كان ينظم في ليالي الوقود، عقب الغروب، و يتقدمه القاضي، و من حوله القراء و المؤذنون و يسيرون على ضوء المشاعل و الشموع الساطعة إلى القصر، ثم ينتظمون في ميدان بين القصرين تجاه باب الزمرد، أحد أبواب القصر الغربية، و ينتظرون هنالك حتى يطل عليهم الخليفة و يحييهم من إحدى طاقات المنظرة الخلافية [٢].
كذلك كان الجامع الأزهر أيام المعز و العزيز و الحاكم، مركزا لمجالس الحكمة الفاطمية. و كانت هذه المجالس الشهيرة التي رتبتها الخلافة الفاطمية لبث دعوتها و توطيد إمامتها تتخذ صورة الدعوة إلى قراءة علوم آل البيت و التفقه فيها؛ و كان يقوم بإلقاء هذه الدروس أيام المعز بنو النعمان، و هم أسرة مغربية نابهة قدمت في ركاب الخليفة الفاطمي، و تولت قضاء مصر زهاء نصف قرن؛ و كانت مجالس الحكمة تعقد أحيانا
[١] المقريزي عن المسبحي- الخطط ج ٢ ص ٣٤٥.
[٢] راعع خطط المقريزي ج ٢ ص ٣٤٦، و صبح الأعشى ج ٣ ص ٥٠١ و ٥٠٢