الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٤ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
إخوان الصفا عنها و عن الفلسفة اليونانية فأفسدوها حينما أرادوا تطبيقها على الناس، يبتغون من وراء ذلك تشكيل عقائدهم بأسلوب يضمن لهم السلطان و الإمامة. و مثل هذا الأسلوب في التفكير و الاعتقاد أقرب الى أن يكون فارسيا منه إلى أي شيء آخر، و قد كان للشيعة أكبر عضد في فارس، و لعل المذهب تأثر كثيرا بعقلية الفرس الواقعية و اعتقادهم في الحلول و تأليه الأكاسرة. و مثل هذا الأسلوب بعدما يكون عن النفسية المصرية فقد صعب تمثيله و هضمه فنبذته و لو أنها أكرهت عليه مدة طويلة.
«و لا يمكننا أن نقدر مقدار النجاح في شيوع المذهب الإسماعيلي بمصر و قدر الذين انتحلوه من خاصة الأمة، إلا أنا نعلم أن أثره في العامة كان قليلا جدا لما يروى من أخبار نفورهم من مظاهر الاسماعيلية و من عقائدهم، و يظهر أن بيئة الفقهاء لم تتقبله، و وسموه بميسم الكفر و الإلحاد، فنفر الجمهور منه، و زاد نفرته السرية التي كانت تحيط بالدعوة، فزاد ذلك في تأييد اعتقادهم أنه خارج عن الدين توارثوه عن أئمتهم و عن علمائهم».
و هذه العبودية التي فرضها الفاطميون على العلماء بنشر تعاليمهم وحدها و تأييد مذهبهم الفاطمي في الفقه و محاجتهم الناس، أثرت أثرا بليغا في تطور التشريع الإسلامي، فقد سار التشريع في هذا العهد في دور التقليد و عدم الاجتهاد. فإن الجو، لا يساعد العلماء على الابتكار و التجديد.
و لكن نلاحظ من ناحية أخرى أن نشاطهم في بث الدعوة أدى إلى خلق هذا النوع الجديد من العلوم الذي أطلق عليها «أدب البحث» و ألفت في قواعدها الكتب، و كثرت مجالس النظر و شاعت المناظرات و المجادلات شيوعا.
و بقي مذهب الشيعة منتشرا في مصر قضاء و في الأزهر دراسة، إلى أن انقرضت دولة الفاطميين.