الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٦٨ - الشيخ محمّد مصطفى المراغي
الآن بالنظر إلى طبيعتها و إلى ما يفهمه الناس فيها قبل أن يحتكم الهوى و ينتشر الفساد. إن مشيخة الأزهر الكبرى هي التي تقوم بمعونة الأساتذة و الطلاب على حراسة الدين و أحياء تعاليمه، فإذا فكر العقل تفكيرا مستقيما و لم يلتفت إلى زخارف الحياة الكاذبة، فلا يستطيع أن يدرك الجلال الحق إلا في كنف هذه الرعاية السامية، لأن شرف الاشياء بشرف غاياتها، و مشيخة الأزهر تقوم على حراسة ما به تؤدى وظيفة الرسل عليهم الصلاة و السلام و وظيفة الرسل إذا أديت على غير وجهها فكلها خير و كلها سعادة، فإذا تنكب الأزهر الطريق يوما، فليس ذلك من طبيعة الدين الذي يقوم على حفظه، و لا من طبيعة علومه التي هي نور العقل و قوة للإنسان، و إنما منشأ هذا التنكب هو القوي التي تتسلط عليه و توجهه إلى طريقها، و إذن لا تلوموا الأزهر ما دام غير قائم على قدميه بنفسه، و إنما اللوم على من يمتلكون أمره و يوجهونه حيث تأبى طبيعته أن تتوجه ... إن أعدل ميزان تعرفون به الفرق في كل عصر بين رجل الأزهر القائم على حراسة دين اللّه و بين عبد الشهوات الجامحة و أن تربع بين الأزهريين و نال أكبر مناصبهم أن ترى عزة النفس و خشية اللّه ماثلتين في رجل الأزهر خصوصا إذا عظمت المحنة و اشتد البلاء، أما عبد الشهوات فتراه دائما مغمورا بخشية الناس و الطمع فيما بأيديهم. و قلب المؤمن الصادق في إيمانه لا يتسع لخشيتين، فأظهر مظاهر الإيمان العميق خشية اللّه وحده إذا اشتد الخطب، و أظهر مظاهر الإيمان الرقيق الذي لا يزن مثقال ذرة أن يخشى صاحبه الناس أشد من خشية اللّه، و إن كثرت و تفرعت صور عبادته لأنها في ميزان الدين و العلم ليست أكثر من صور كاذبة تولدها العادة أو الرياء .. إن الحقائق لا يغيرها و لا ينقص من جلالها الذاتي ما قد يطرأ عليها من أمراض و علل تدفعها يد الشهوة على غفلة من أهلها، و لهذا يعاقب اللّه حراس الحقائق أولا فأولا، بمقدار غفلتهم و إهمالهم، ثم يكتب النصر لهم في النهاية إذا ما انتبهوا .. أما المبطلون المفتونون باستشراء الضعف ليتمتعوا بباطلهم فلا يعاقبهم اللّه أولا فأولا، و إنما يمهلهم لتتجلى حكمة اللّه في قوله:
«سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»*. إن من