الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٨ - الحركة العلمية في الأزهر
و كادت هذه المدرسة الاسلامية الكبرى أن تفقد مميزاتها، من حرية الفكر و الإنتاج الخصب، لو لا أن قيض اللّه لها مصلحين أخذوا بيدها، و جنبوها عواقب هذه الآفات و العلل حتى تجمعت فيها، و أثرت في مجرى حياتها.
لقد نفى العثمانيون العلماء المصريين إلى القسطنطينية [١]؛ و انتزعوا الكتب من المساجد و المدارس و المجموعات الخاصة ليودعوها مكتبات العاصمة التركية. و ما زالت منها إلى اليوم بقية كبيرة في مكتبات استانبول، و منها مؤلفات خطية لكثير من أعلام القرن التاسع الهجري المصريين مثل المقريزي، و السيوطي، و السخاوي، و ابن إياس، مما يندر وجوده بمصر صاحبة هذا التراث العلمي.
و هكذا انهار صرح الحركة الفكرية في مصر عقب الفتح التركي، كما انهارت عناصر القوة و الحياة في المجتمع المصري، و تضاءل شأن العلوم و الآداب، و انحط معيار الثقافة، و اختفى جيل العلماء الأعلام الذين حفلت بهم العصور السالفة، و لم يبق من الحركة الفكرية الزاهرة التي أظلتها دولة السلاطين المصرية سوى آثار دارسة، يبدو شعاعها الضئيل من وقت إلى آخر.
و قد أصاب الأزهر ما أصاب الحركة الفكرية كلها من الانحلال و التدهور، و اختفى من حلقاته كثير من العلوم التي كانت زاهرة به من قبل، حتى إن العلوم الرياضية. لم تكن تدرس به في أواخر القرن الثاني عشر، و قد لاحظ ذلك الوزير أحمد باشا والي مصر سنة ١١٦١ ه (١٧٤٨ م)، في نقاشه للشيخ عبد اللّه الشبراوي شيخ الأزهر يومئذ و أنكره في حديث أورده الجبرتي [٢]، مما يدل على ما آلت اليه أحوال الدراسة بالأزهر خلال العصر التركي من التأخر و الركود.
[١] يعقد ابن إياس مؤرخ الفتح العثماني فصلا خاصا يذكر فيه أسماء مئات من الأكابر و العلماء المصريين الذين نفاهم السلطان سليم إلى القسطنطينية (بدائع الزهور ج ٣ ص ١١٩ و ما بعدها).
[٢] عجائب الآثار ج ١ ص ١٩٣