الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٠٨ - ١- في عهد السلطان بيبرس و السلاطين بعده
و ممن تولى التدريس فيه الفخر البلبيسي الضرير أستاذ القراءات و إمام الأزهر، و تولى ابن حجر خطابة الأزهر حينا آخر.
على أنه يوجد مع ذلك في أنباء العصر ما يدل على أن الأزهر كان خلال هذه الحقبة يحتفظ بمكانته الخاصة؛ يعاونه في ذلك اتساع حلقاته و أروقته، و تنوع دراساته، و هيبته القديمة، و ما يلاقيه الطلاب فيه من أسباب التيسير في الدراسة و أحيانا في الإقامة. و قد غدا الأزهر منذ أواخر القرن السابع أي مذ عفت معاهد بغداد و قرطبة، كعبة الأساتذة و الطلاب من سائر انحاء العالم الاسلامي، و غدا أعظم مركز للدراسات الإسلامية العامة.
و منذ القرن الثامن الهجري أخذ يتبوأ الأزهر في مصر و في العالم الإسلامي نوعا من الزعامة الفكرية و الثقافية. و في أنباء هذا القرن ما يدل على أن الأزهر كان يتمتع في ظل دولة السلاطين برعاية خاصة، و كان الأكابر من علمائه يتمتعون بالجاه و النفوذ، و يشغلون وظائف القضاء العليا، و يستأثرون بمراكز التوجيه و الإرشاد. و كان هذا النفوذ يصل أحيانا إلى التأثير في سياسة الدولة العليا، و أحيانا في مصاير العرش و السلطان.
و ربما كانت هذه الفترة في الواقع هي عصر الأزهر الذهبي من حيث الإنتاج العلمي الممتاز، و من حيث تبوؤه لمركز الزعامة و النفوذ.
و في أواخر القرن التاسع أخذت الحركة الأدبية في مصر الإسلامية في الاضمحلال و ذلك تبعا لاضمحلال الدولة المصرية و المجتمع المصري. و كانت دولة السلاطين قد شاخت و أخذت تسير نحو الانهيار بخطى سريعة، و تصدع بناء المجتمع المصري و أخذ في الانحلال و التفكك؛ و اضطربت أحوال المعاهد و المدارس المصرية و تضاءلت مواردها، و فقدت كثيرا مما كانت تتمتع به من رعاية السلاطين و الأمراء؛ و أصاب الأزهر ما أصاب المعاهد الأخرى من الذبول و الركود. و لم يمض قليل على ذلك حتى وقعت المأساة المروعة فانهارت الدولة المصرية، و فقدت مصر استقلالها التالد و سقطت صريعة الغزو العثماني سنة ٩٢٢ ه (١٥١٧ م).