الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٠٠ - ١- في عهد السلطان بيبرس و السلاطين بعده
الذي لا يليق معهم. و هم أصحاب الحكم و السلطان، و لكن الشيخ صمم على فتواه، و زاد على ذلك فصار لا يصحح لهم بيعا و لا شراء و لا نكاحا و لا أي تصريف في أمور الناس و شؤون الحكم حتى تعطلت مصالحهم، و توقفت أعمالهم، و هم في كل هذا يتعاظمون و يعجبون من جرأة ذلك الشيخ، و ما في مقدور أحد أن ينكر عليهم أي شيء.
و رفع الأمراء الأمر إلى السلطان، و شكو إليه من هذه الجرأة التي هوت بمكانتهم بين الناس. و أرسل السلطان إلى الشيخ ابن عبد السلام يصرفه عن غايته، و بين له ما في هذه الفتوى من الإضرار بأولئك الأمراء الذين لهم شأنهم في شؤون الحكم، و كان ابن عبد السلام يقدر تماما أنه.
وفد على مصر غريبا لا أهل له، فقيرا لا مال عنده و ليس له من قوام.
الحياة إلا هذا المنصب الذي يجلس فيه، و زمام المناصب كلها بيد السلطان، و لكن حب الدنيا لم يكن أفسد نفوس رجال الدين في ذلك الزمن، و ما لرجل مثل ابن عبد السلام ترك وطنه راضيا، و احتمل السجن و شظف العيش في سبيل الرأي و الحق، أن يثنيه عن الحق مطلب من مطلب العيش أو رغبة في منصب مهما يكن جاهه، فأرسل الى السلطان بأنه لا بد منفذ لفتواه لانها كلمة الشرع و حق الإسلام، و أنه سينادي على أولئك الأمراء بالبيع و يقبض ثمنهم، و إلا فإنه سيعزل نفسه من منصب القضاء و يترك فتواه قائمة في أقطار الإسلام يعول عليها المسلمون في تصريف أمورهم.
و انكمش السلطان بجبروته أمام الشيخ في إبائه و جرأته، و تلمس نائب السلطان بابا آخر لصرف الشيخ عن إصراره «فأرسل إليه بالملاطفة و الملاينة و الرجاء أن يراجع نفسه في تلك الفتوى الجريئة و أن يتصرف بما يتفق و مكانة الأمراء بين الناس، و لكن الشيخ الذي كان لا يرهبه في الحق شدة، كان من الأولى ألا تجدي معه في الحق ملاطفة أو ملاينة.
و عظم الخطب على نائب السلطنة، و ثار به الغضب ثورته، و قال: