أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٩٣
و الأجسام محسوسة بالفعل و الأرواح موجودة بالقوة.
و بالجملة هذه الدار دار الحرث و الزراعة و السعي، و الآخرة دار حصد الثمار و الوصول إلى نتائج الأعمال و الأفكار و تولد مواليد الأرواح عن بطون أمهات الأشباح. قوله: «وَ إِذَا الصُّحُف نُشِرَتْ، وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ».
تنبيه
قوله: «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ» كل ذلك إشارة إلى فناء الدنيا و انقطاع نشأتها و بروز مكامنها و خروج هويات ما فيها إلى النشأة الآخرة.
(١) قاعدة خلق العالم الكبير و بعثه
كخلق العالم الصغير و بعثه «ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» و لكل منها جسم و روح، فالخلق للجسم و البعث للروح، فكما أن أعضاء البدن و أجزاء الشخص متبدلة مستحيلة كائنة فاسدة و روحه باقية، إلا أنها في أوائل النشأة ضعيفة الوجود بالقوة شبيهة بالعدم، ثم يخرج في أيام الحياة البدنية من القوة إلى الفعل و يشتد وجود الروح و يستكمل و يقوى على التدريج و يخرج من القوة إلى الفعل و يضعف البدن و يهرم و يكل القوى و الآلات شيئا فشيئا، لأن كلها جسمانية شأنها الاستحالة و السيلان و الدثور، و هكذا إلى أن يفني البدن و يموت «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ»* و يبقى الروح راجعة إلى ربها «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً» و إنما وصفها بالاطمئنان و هو السكون العقلي لأن النفس قبل صيرورتها عقلا بالفعل شأنها التغيير و الانقلاب، فإذا صارت مطمئنة عقلية رجعت إلى بارئها «راضِيَةً مَرْضِيَّةً»، فكذلك جملة العالم، فإن السماوات و الأرض و ما بينهما، أبدا في الانتقال و التبدل من حال إلى حال و من نقص إلى كمال،