أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٧
عالم النور فهو أظلم و أوحش، و هكذا إلى أسفل السافلين و مهوى الشياطين و الكفرة و المطرودين «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» و اللّه خالق الظلمات و النور و جاعل الليل و النهار «و هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» و الناس في أول الخلقة قابل للسلوك إلى الجانبين و السير إلى السبيلين، إما إلى عالم النور و الحياة، و إما إلى عالم الموت و الظلمة «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ».
(٢) قاعدة في كيفية البدو و الإعادة و الإشارة إلى سلسلتي الهبوط و الصعود
قال اللّه تعالى: «هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» يشير إلى أنه تعالى كما بدأ الخلق بإخراجهم عن مكمن الإمكان إلى عالم الأرواح ثم أهبطهم من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح عابرين على الملكوت الأعلى و الأسفل من النفوس السماوية و الأرضية، مارين على الأفلاك و الأنجم و الأثير و الهواء و الماء و الأرض، إلى أن يبلغوا إلى أسفل السافلين و الهاوية المظلمة أعني الهيولى و البحر المظلم و القرية الظالم أهلها، و هي نهاية تدبير الأمر على ما قال: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ» ثم يقع الإعادة في باب الإنسانية بجذبات العناية إلى الحضرة الإلهية من حيث وقع النزول مارا على المنازل و المقامات التي كانت على ممره بقطع التعلق عنها و ترك الانتفاع بها، فإنه حالة العبور على هذه المنازل استعار خواصها لاستكمال الوجود الإنساني مادة و صورة و روحا و جسما، فصار محجوبا عن الحضرة مشتغلا بالكثرة عن الوحدة، كما في قوله: «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ» يعني الأبدان المظلمة لكونها مقابر للأرواح، فإذا جاء وقت الرجوع بجذبة ارجعي إلى ربك يرد ما استعار من كل منزل، فإن العارية مردودة إلى أن يبقى بلا إنانية