أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٨
أن الأمر كلام، و الفعل كتاب، و أن القائم بالمتكلم كلام، و الصادر منه كتاب.
فالإنسان مثلا لكونه ذا درجات بحسب النفس و البدن و هو بحسب كل مقام غير خارج عن الهوية الإنسانية إذا تكلم بألفاظ و حروف مسموعة، فإذا نسبت تلك الألفاظ و الحروف إلى نفسه، كان كتابا له و فعلا صادرا عنه صنعه و كتبه في لوح الهواء و في مخارج الحروف من الأعضاء، و إذا نسبت إلى شخص بدنه كان كلاما قائما بشخصه، لا كتابة صادرة عنه. و كذا القياس إذا تحدث بحديث النفس، كان باعتبار نسبته إلى عقله المجرد بالصدور كتابا، و من حيث قيامه بالنفس و اتصافها به كلاما لها، فهو كتاب لعقله و كلام لنفسه. و كذا الحال في الكتابة الموجودة في لوح و قرطاس يمكن اعتبار الحالين فيها بالصدور و القيام و لو بتعمل. تأمل في ذلك فإنه دقيق لطيف يرفع به الخلاف بين الطائفتين.
(٦) قاعدة في وجوه الفرق بين إنزال كلام اللّه على قلب النبي، صلى اللّه عليه و آله، و بين إنزال الكتب السماوية
و تنزيلها إلى سائر الأنبياء عليهم السلام.
قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» أي نزل على قلبك حقائق القرآن و أنواره متجلية بسرك، لا صورة ألفاظ مسموعة أو مكتوبة على ألواح زمردية مقروة لكل قارئ.
دليل ذلك قوله تعالى: «وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ» يعني نزل بالحقيقة لا بالتصوير و الحكاية. و قوله: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ، وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا» يعني ما كنت تكتسب بالدراية و الفهم صورة ما في الكتب العلمية، و لست تتعلم الإيمان من معلم غير اللّه، و لكن جعل اللّه قلبك نورا عقليا تتنور به حقائق الأشياء و يهتدي بها إلى ملكوت الأرض و السماء. و قوله: «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» و قد